قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزدْ له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وما له في الآخرة من نصيب﴾ (الشورى: 20).
تصوّر الآية الكريمة الناس كلهم على أنهم مزارعون في هذه الدنيا (الحرث هو الزرع) يبذرون بذورهم فيها، لكنهم، بعد هذا، على صنفين: فمنهم من ينتظر حصاد الزرع في الآخرة، ومنهم من يريد الحصاد في هذه الدنيا نفسها، وهذان الصنفان تختلف النتيجة التي يصلان إليها باختلاف الغرضين اللذين يتجهان نحوهما، فأما الذين يمثلون الصنف الأول فالله يزيد في زرعهم: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (سورة الأنعام، الآية: 160)، وأما أهل الصنف الآخر فالله سبحانه لا يؤتيهم في هذه الدنيا كل مرادهم، بل يعطيهم بعضه؛ لذا عبّرت الآية بـ: ﴿نؤته منها﴾ ولم تقل: نؤته إياها، وهم محرومون من الآخرة.
ولا يخفى أنّ الصنف الأول لم تذكر الآية عنهم أنهم لن يحصلوا على الدنيا، في حين أنّ الصنف الأخير صرّحت في حقهم بأنهم لن ينالوا الآخرة، ونتيجة ذلك: العاملون للآخرة يفوزون في الدنيا والآخرة، لكنّ العاملين للدنيا لا يفوزون إلا ببعض الدنيا.
إنّ الآية الكريمة، ببيانها المتقدم، ترشدنا إلى مجموعة من أهم عوامل النجاح في الحياة، لا سيما فيما يرتبط بقضية الرزق، وهي التي تتلخص فيما يأتي:
العامل الأول، الإرادة:
من المهم جدًا أن تكون للمرء أهداف عليا سامية في حياته، أهداف ترتقي عن مستوى الأكل والشرب والنوم والتناسل، أهداف تجعله إنسانًا حقًا مثلما أراده الله تعالى أن يكون، ففي الحديث النبوي الشريف: "إنّ الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها (ميزان الحكمة 4: 368).
لكن وجود هذه الأهداف العليا ليس كافيًا لأجل تحقيق النجاح في الحياة، بل لا بد من إرادة قوية عند المرء تجعله يتحرك بجد ورغبة في اتجاه تحقيق تلكم الأهداف، فلولا قوة الإرادة وعلوّ الهمة لما كانت رفعة الهدف، في حد نفسها، مجدية في السمو بهذا الإنسان والارتفاع حقيقةً بقدره وشأنه؛ لذا وجدنا الإمام علي بن أبي طالب (ع) يقول في هذا الصدد: "كن بعيد الهمم إذا طلبتَ" (ميزان الحكمة 4: 368)، ويقول أيضًا: "قدر الرجل على قدر همّته" (نهج البلاغة، الحكمة 47).
إنّ القرآن الكريم صريح في أنّ الصنفين اللذين يتحدث عنهما، في الآية محل الكلام، ينماز أحدهما عن الآخر من ناحية الإرادة، فالصنف الأول هو ﴿من كان يريد حرث الآخرة﴾ والصنف الآخر هو ﴿من كان يريد حرث الدنيا﴾، فإرادة كل صنف اتجهت في اتجاه مختلف عن الاتجاه الذي سلكته إرادة الصنف الآخر، فكان هذا التفاوت بين الإرادتين داعيًا، بالنتيجة والمآل، إلى تفاوت العاقبتين، في الدنيا والآخرة، مثلما تقدم بيانه.
ويأسف المرء حقًا حين يرى من حوله أناسًا يمتلكون الجمّ الغفير من القابليات والمواهب والاستعدادات الفطرية والمكتسبة، لكنهم مع هذا لا يتحلون بالإرادة الصلبة التي تمكّنهم من الاستفادة الإيجابية الواعية مما يمتلكون، فتراهم دومًا في آخر الركب يسيرون، وعن تحمّل المسؤوليات يبتعدون، ولربما يزدادون على مرّ الأيام تراجعًا وتقهقرًا إلى الوراء، فيظلمون بذلك أنفسهم ومجتمعاتهم وأوطانهم وأمتهم ظلمًا فادحًا عظيمًا!
وفي المقابل ما أكثر قصص الناس الذين لم يكونوا قد أوتوا في واقعهم المعيش إمكانات كبيرة أو قابليات استثنائية، لكنهم كانوا يمتلكون إرادات استثنائية حقًا! وآتت هذه الإرادات أُكُلها، وأينعت ثمارها، فارتقت بأصحابها إلى المراقي العليا وجعلتهم في المكانة التي لا يصل إليها المتخاذلون الجبناء حتى في أحلامهم!
العامل الثاني، السعي:
وجود الإرادة ليس كافيًا، في حد نفسه، لتحقيق النجاح القطعي في الحياة، ما لم تتمثل هذه الإرادة في سعي خارجي حثيث وعمل يؤديه المرء في سبيل تحقيق ما أراده. من هذا المنطلق وجدنا الآية المباركة تتحدث عن "الحرث"، ومما لا ريب فيه أنّ الحرث – وهو الزرع كما تقدم – يحتاج إلى عمل وسعي حتى يتحقق.
إنّ اهتمام الإسلام بالسعي الإنساني بلغ إلى الدرجة التي قَصَر فيها ما يكون للإنسان على ما سعى إليه: ﴿وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم، الآية: 39). فهما خُيّل إليك، يا أيها الإنسان، أنك مالكٌ ومتصرفٌ وحائزٌ من هذه الدنيا صنوفًا لا تكاد تنتهي من زخرفها وزينتها، فإنك في حقيقة الأمر لا تملك أيًا من ذلك، فكله معار بين يديك، وسرعان ما يسترجع المالك الحقيقي منك ما أعارك إياه، ولا يبقى لك إلا عملك الذي اكتسبته وسعيك الذي اجتنيته، فعليك، والحال هذه، أن تكون بعملك أكثر اهتمامًا بكثير منك بالأمور المعارة التي لن تظل باقية لك.
وتركز النصوص الشرعية الإسلامية في مجال العمل على جانبين اثنين:
أ-إتقان العمل، فليس المطلوب أن يصدر منا العمل كيفما صدر، وبأي حال اتفق، بل لا بد لنا من الحرص الشديد على أن نجعل أعمالنا تصدر في أعلى حالة ممكنة من الإتقان والإجادة، فالله سبحانه يصف صنعه في الكون بالإتقان: ﴿صُنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ (سورة النمل، الآية: 88)، وهو يريد منّا أيضًا أن نكون في أعمالنا متقنين، ففي الحديث النبوي المعروف: "إنّ الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (المعجم الأوسط، الطبراني، 1: 275).
ب- الاستمرار والمواصلة، فلا يكفي أن يصدر العمل منّا مرةً أو مرتين لكي نُكتب من الناجحين المفلحين في حيواتهم، بل لا بد لهذا العمل النافع الصالح من الاستمرار وعدم الانقطاع، فقد سُئلت السيدتان عائشة وأم سلمة: أي العمل كان أحب إلى رسول الله (ص)؟ فأجابتا: "ما ديم عليه وإنْ قلّ" (ميزان الحكمة 7: 17) ـ وروي عن الإمام محمد الباقر (ع) أنه قال: "أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام عليه العبد وإنْ قلّ" (ميزان الحكمة 7: 15).
إنّ هذا التركيز الإسلامي على ضرورة الاستمرار في العمل يجأر بحقيقة مفادها أنّ الإسلام يريد من الشخصية المسلمة أن تكون شخصية إيجابية فاعلة على الدوام، أن يكون العطاء والإبداع والسعي والإنتاج جزءًا من خصائصها الثابتة، لا أن تأتي هذه الشخصية بالعمل في بعض الأوقات دون بعض، أو أن يكون العمل رهنًا لحالات مزاجية معيّنة أو ظروف معيشية ما!
العامل الثالث، الاعتماد على الله تعالى:
مهما قوّى المرء من إرادته، ومهما زاد من سعيه – وفق العاملين المتقدمين – فإنّ عليه أن يوقن بأنّ ذلك كله لن يفيده شيئًا، ولن يحقق له مرادًا، ما لم يرد الله سبحانه وتعالى له ذلك، فهو مسبب الأسباب، الذي بأمره ورضاه تعمل الأسباب كلها وتحقق آثارها، ولولاه لما كان لهذه الأسباب أن توجد من أساس، ولما كانت تحقق آثارها ونتائجها من تلقاء نفسها. الآية الكريمة تدل على هذا المعنى باستعمالها الفعلين "نزد" و"نؤته" المسندين إلى الضمير المستتر (نحن) الراجع إلى الله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد ... ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾.
النتيجة المستخلصة من هذا البيان القرآني هي أنّ الإنسان المؤمن بالله تعالى ينبغي أن يكون مختلف الشاكلة عن غيره من الناس غير المؤمنين بالله في تعامله مع قضية النجاح في الحياة، لا سيما في جانب الرزق، فهو مطالب بأن يزيد من ارتباطه بربه ما دام يؤمن بأنه مسبب الأسباب كلها، وبيده كل مفاتيح الرزق، ووسائل النجاح والتوفيق، فيتوكل عليه سبحانه في كل شؤونه، ويعتمد عليه في توفيقه وتسديده، فإذا ما قضى ربه له بشيء من الرزق، قلّ أو كثر، رضي بقضائه وسلّم لأمره وفوّض إليه كل شأنه، فعن الإمام الباقر (ع) أنه قال: "بينا رسول الله (ص) في بعض أسفاره إذ لقيه ركب، فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن مؤمنون يا رسول الله، قال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله. فقال رسول الله (ص): علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون" (أصول الكافي 2: 53). وقد ورد عن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال: "الإيمان له أركان أربعة: التوكل على الله، وتفويض الأمر إلى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله عز وجل" (أصول الكافي 2: 47).
إنّ توكّل الإنسان على ربه – حين يكون صادقًا عميقًا في النفس – ليفتح أمام صاحبه المجالات واسعةً رحبةً ليكون موفقًا وناجحًا في كل شؤون حياته؛ ذلك أنّ هذا التوكل الحقيقي يملأ النفس قوةً ويشحنها إرادةً وعزمًا، ما برح العبد موقنًا بأنه متصل بمصدر كل قوة وعزة وشأن في الوجود كله، فلا يخاف أحدًا، ولا يستعظم تحديًا، مهما كان شأنه، فعن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: "ليس شيء إلا وله حد، قال: قلت: جعلتُ فداك، فما حد التوكل؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين؟ قال: ألا تخاف مع الله شيئًا" (أصول الكافي 2: 57).
العامل الأخير، الوعي والحكمة في الاختيار:
أرشدتنا الآية المباركة – مثلما تقدم – إلى أنّ الإنسان الذي يجعل عمله للآخرة يفوز في دنياه وأخراه، في حين أنّ الذي يعمل للدنيا – أي يتخذ الدنيا غايةً وهدفًا له لا وسيلة – يخسر الآخرة ولا يفوز إلا ببعض مراده من هذه الدنيا. وهذا مفاده أنّ على المرء منّا أن يكون واعيًا في هذا المجال، وأن يُعمل الحكمةَ والدقةَ في اختياره، فلا يختار الدنيا ويقدّمها على آخرته، في الوقت الذي المجال مفتوح فيه لاختيار الآخرة وتقديمها. وقد أوضح الحبيب المصطفى (ص) هذا المعنى بأجلى صورة حين قال: "من كانت نيّته الدنيا فرّق الله عليه أمره، وجعل الفقر بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت نيّته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 15: 370).
نعم، يكفي المرءَ في هذا المجال أن يدرك أنّ مصلحته الحقة كامنة في أن يتوجه إلى آخرته، وأن يسعى لها سعيها المطلوب، فبهذا يكفل لنفسه الخير كله، في دنياه وأخراه، وأي مطلب له أسنى من هذا؟ وأية غاية هي أجلّ منه؟
أما الدنيا فالحصول على خيرها ورزقها مرتبط بأن يسعى المرء فيها ويبذل جهده في العمل والجد والاجتهاد، لكن لا بأن يتخذها غايةً وقبلةً له، بل وسيلة توصله إلى الغاية الأصلية، والمقصد الحقيقي.