حرث الدنيا وحرث الآخرة                من أوثق عرى الإيمان                الرّزق والإنفاق                كيف تربح في سوق الدّنيا؟                البرنامج المحمدي للبشريّة وامتيازه المطلق                من عاشوراء إلى الأربعين: قراءة في العلاقة بين الشّهادة والذّكرى                صاحب الجراب .. الوجه الاجتماعي للإمام زين العابدين عليه السلام                ثمار الثورة الحسينية               الإمام الحسين عليه السّلام صمام الأمان في المنظومة الوجوديّة                زينب عليها السّلام: سيرةٌ من نورٍ ودروسٌ خالدة               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
272482
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات أخلاقية
 
 
من أوثق عرى الإيمان
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/08/20 - [المشاهدات : 12]
 

 من أوثق عرى الإيمان

الشيخ حسن عبد الله العجمي

المصدر كتاب "مفاتيح الكمال" الجزء الأوّل

قال الإمام الصّادق عليه السّلام: «من أوثق عرى الإيمان أنْ تحبّ في الله، وتُبغضَ في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله». (الكافي 2/125).

وهذه الكلمات وإنْ بدت قليلة في حروفها، إلّا أنّها في الحقيقة دستور كامل للحياة الإيمانيّة، ومنهج متكامل لتربية القلب وتقويم السّلوك، وميزان دقيق يضبط علاقة الإنسان بربّه وبنفسه وبالنّاس من حوله.

ولنبدأ بفهم معنى  «العُروة» التي ذكرها الإمام عليه السلام، فإنّ فهم اللفظ مفتاح لفهم المعنى، فالعروة في اللغة العربيّة هي ما يُتمسّك به ويُستوثق به من الانفصال، كعروة الكوز التي تُمسك بها فلا يسقط، وقد استعمل القرآن الكريم هذا اللفظ في موضعين، الأوّل قوله تعالى:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256) ، والثّاني قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 22)، فالعروة الوثقى في القرآن هي حبل النّجاة الذي إذا تمسّك به الإنسان في بحر الحياة المتلاطم بأمواج الفتن نجا، وإذا أفلته غرق، والإمام الصّادق n يبيّن لنا أنّ من أوثق هذه العُرى وأشدّها متانة أنْ يجعل المسلم حبّه وبغضه وعطاءه ومنعه لله وحده، لا لشيء سواه.

ولنبدأ بالحديث عن هذه الأركان الأربعة مفصّلًا:

العروة الأولى: أنْ تحبّ في الله

الحبّ عاطفة فطريّة ركّبها الله تعالى في قلب الإنسان، لا يستطيع أحد أنْ يدفعها عن نفسه أوْ يمنعها من أنْ تنبثق في صدره، ولكنّ الذي يستطيعه الإنسان هو أنْ يوجّه هذه العاطفة، وأنْ يجعلها لمن يستحقّها لا لمن لا يستحقّها، ولهذا فالإمام n لم يقل: لا تُحبّ أحدًا، لأنّ ذلك مستحيل ومخالف للفطرة، وإنّما قال: «تُحبّ في الله»، أيْ اجعل حبّك له ميزانًا وغايةً.

ومعنى أنْ تحبّ في الله أنْ تحبّ الإنسان لأنّ الله يحبّه، ولأنّ فيه صفةً من صفات أوليائه، من الإيمان والتّقوى والصّلاح والاستقامة، فكلّ صفة حسنة تراها فيه تذكّرك بالله، فتزداد له حبًّا لأجل ذكر الله، وكلّ خصلة سيئة تراها فيه تبعدك عنه لأجل بعدها عن الله، وهذا هو الحبّ الذي وصفه الله تعالى في كتابه الكريم بقوله:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 10)، فجعل الإيمان هو رابطة الأخوّة، لا الدّم ولا النّسب ولا اللغة ولا الوطن، وقال سبحانه واصفًا المؤمنين مع نبيِّه:﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح: 29)، فالرّحمةُ بينهم نبعت من الإيمان المشترك، لا من المصالح المشتركة.

وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، أنّه قال: «المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمّه، لأنّ الله خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى في صورهم من ريح الجنّة، فلذلك هم إخوة لأب وأمّ» (بحار الأنوار 71/271)،  فانظر إلى هذه الأخوّة العجيبة، أخوّة في الطينة والرّوح، أعمق من أخوّة الجسد والدّم، وقال الإمام الصّادق عليه السلام: «ما التقى مؤمنان قط إلّا كان أفضلهما أشدهما حبًّا لأخيه» (الكافي 2/127)، فجعل ميزان التّفاضل بين المؤمنين هو شدّة الحبّ في الله، لا الغنى ولا الجاه ولا العلم وحده.

ولعلَّ من أبلغ ما ورد في هذا الباب ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام، حين قال: «هل الدين إلّا الحبّ؟ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (الخصال، ص 21. والآية 31 من سورة آل عمران)، فاختصر الدّين كلّه في كلمة واحدة، هي «الحبّ»، وذلك لأنّ الإنسان إذا أحبّ شيئًا اتّبعه وانقاد له بلا إكراه، فمن أحبّ الله أطاعه طوعًا، ومن أحبّ رسوله اتّبع سنّته رغبة، ومن أحبّ أهل بيته سار على نهجهم بشوق لا بتكليف، ولهذا أمر الله تعالى نبيّه أنْ يطلب من النّاس مودّة قرباه أجرًا للرّسالة، فقال:﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، (الشورى: 23)، لأنّ مودّتهم تثمر اتّباعهم، واتّباعهم يثمر الهداية، والهداية هي الغاية من الرّسالة كلّها.

ومن علامات الحبّ في الله أنْ يجد المؤمن في قلبه فرحًا حين يلتقي بأخيه المؤمن، وحزنًا حين يفترقان، وشوقًا إذا غاب، ودعاءً له بظهر الغيب، وروي عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: «إنّ المؤمنّ ليسكن بالمؤمن كما يسكن الظمآنُ إلى الماء البارد». (الكافي 2/274)، وقال أيضًا: «المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه، ولا يظلمه ولا يغشّه ولا يعده عدة فيخلفه» (الكافي 2/166)، فالحب في الله ليس مجرّد شعور يجول في الصّدر، بل هو سلوك يومّي يتجلّى في الأمانة والنّصح والوفاء وحفظ السّر وقضاء الحاجة والدّعاء بالخير في الحضور والغياب.

وقد ضرب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أصدق مثال على هذا الحبّ حين قال في كلمته الخالدة: «لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أنْ يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدّنيا بجماتها على المنافق على أنْ يحبّني ما أحبّني، وذلك أنّه قضي فانقضى على لسان النبيّ الأميّ H: لا يبغضك مؤمن، ولا يحبّك منافق» (نهج البلاغة، ص 477)، فهذه الكلمة تكشف أنّ حبّ علي بن أبي طالب عليه السلام علامة من علامات الإيمان، وبغضه علامة من علامات النّفاق، لأنّه عليه السلام رمز للحقّ ومجسّد له، فمن أحبّ الحقّ أحبّه، ومن أبغض الحقّ أبغضه، وكذلك سائر المؤمنين، يحبّهم المؤمن بقدر ما فيهم من نور الإيمان، ويتجافى عنهم المنافق بقدر ما يجد في قلبه من ظلمة النّفاق.

العروة الثّانية: أنْ تبغض في الله

لمَّا كان الحب في الله عروة من عرى الإيمان، كان لزامًا أنْ يكون البغض في الله عروة من عرى الإيمان مقابلًا له، لأنّ الإنسان لا يتصوّر أنْ يحبّ شيئًا دون أنْ يبغض ضدّه، فمن أحبّ النّور أبغض الظّلمة، ومن أحبّ الحقّ أبغض الباطل، ومن أحبّ العدل أبغض الظّلم، ومن أحبّ الله أبغض من حادّ الله، وقد قرن الإمام الصّادق عليه السلام بين الحب والبغض في كلمته المباركة، لأنّهما وجهان لعملة واحدة، لا يكتمل أحدهما إلّا بالآخر.

ولكنّ البغض في الله مصطلح يحتاج إلى توضيح دقيق، لئلّا يساء فهمه فيحمل على معنى الكراهيّة الشخصيّة أو العداوة المطلقة، فالبغض في الله ليس بغضًا للأشخاص بذواتهم، بل هو بغض لما هم عليه من الانحراف والمعصية والظلم، فالمؤمن يبغض الظلم ولا يتمنّى للظالم الهلاك، بل يتمنّى له الهداية، ويبغض المعصية ولا يكره العاصي بذاته، بل يأمل له التّوبة والعودة إلى الله، وهذا الفهم الدّقيق هو الذي يميّز بين البغض الإيماني المنضبط بميزان الشّرع، وبين البغض النّفسي المتشنِّج الذي يحرّكه الهوى والعصبية.

وقد بيّن الله تعالى هذا المعنى في آية من أعجب آيات القرآن وأبلغها، وهي قوله سبحانه:﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: 22)، فتأمّل كيف جعل الله تعالى علامة كتابة الإيمان في القلب أنْ لا يجد الإنسان في نفسه مودّةً لأعداء الله، حتّى لو كانوا من أقرب النّاس إليه نسبًا، وهذا لا يعني قطع الرّحم أوْ إيذاء الأقارب، فإنّ الله أمر بصلة الرّحم حتّى لو كانت مشركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾  (لقمان: 15)، فالمؤمن يصل رحمه ويحسن إليها، ولكنّه لا يوادها في باطلها، ولا يحبّ ما هي عليه من انحراف.

ومن أعمق ما ورد في بيان البغض في الله ما روي عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: «من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، فهو ممّن كمل إيمانه»، (الكافي 2/124)، فجعل كمال الإيمان متوقّفًا على أنْ تكون هذه المشاعر والأفعال كلّها لله وحده.

وقال عليه السلام في حديث آخر: «إنّ المتحابّين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور وجوههم ونور أجسادهم ونور منابرهم كلّ شيءٍ، حتّى يعرفوا به فيقال: هؤلاء المتحابّون في الله». (الكافي 2/125).

وفي مقابل ذلك، حذّر القرآن الكريم من موالاة من حادّ الله، فقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾، (الممتحنة: 1)، وقال أيضًا:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: 51)، فالولاية هنا ولاية المحبّة والنّصرة على باطلهم، لا مجرّد التّعامل والمعاملة الإنسانيّة، فإنّ الله أمر بالإحسان إلى غير المسلمين ما لم يقاتلوا المسلمين، كما قال:﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).

وقد ضرب النبيّ إبراهيم عليه السلام، خليل الرّحمن وأبو الأنبياء، أعظم مثال على البغض في الله، حين تبرّأ من قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام، فقال كما حكى الله عنه:﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، (الزخرف: 26-27)، وقال تعالى:﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، (الممتحنة: 4)، فجعل الله إبراهيم ومن معه أسوة حسنة في هذا البغض الإيماني الذي لا يكون لذوات الأشخاص وإنّما لباطلهم، بدليل قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، فإذا آمنوا زالت تلك العداوة وحلّت محلّها الأخوّة في الإيمان.

وممّا يمكن الإشارة إليه هنا ما ورد عن الإمام الصّادق عليه السلام في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، (هود: 113)، حيث قال عليه السلام: «هو الرّجل يأتي السّلطان فيحبّ بقاءه إلى أنْ يدخل يده إلى كيسه فيعطيه»، (الكافي 5/108 – 109)، فحتّى مجرّد المحبّة في القلب لبقاء الظالم لأجل منفعة شخصيّة، عدّها الإمام ركونًا إلى الظلم يوجب النّار، فما بالك بمن يُجاهر بمحبّة الظّالمين ومناصرتهم؟، وهذا يكشف مدى دقّة الميزان الإيماني في تنقية القلب من كلّ ميل إلى الباطل وأهله.

العروة الثّالثة: أنْ تعطي في الله

بعد أنْ أرسى الإمام الصّادق عليه السلام دعامتي الإيمان القلبيّتين «الحبّ والبغض»، انتقل إلى الجانب العملي السّلوكي، فذكر العطاء والمنع، والعطاء هو البذل بكلّ أنواعه؛ بذل المال والوقت والجهد والعلم والكلمة الطيّبة والابتسامة والدّعاء والشّفاعة، وكلّ هذه الأنواع من العطاء التي لا تحصى أنواعها ولا تعدّ صورها، ولكنّ الميزان فيها واحد، وهو أنْ تكون لله، لا لغيره.

ومعنى أنْ تعطي في الله أنْ لا يكون عطاؤك مدفوعًا برياء تريد به ثناء النّاس، ولا بسمعة تطلب بها شهرة، ولا بمكافأة ترجو بها جزاء من المخلوقين، ولا بمنفعة شخصيّة تستجلبها من خلال هذا العطاء، بل يكون عطاؤك خالصًا لوجه الله الكريم، تطلب به رضوانه وحده، وتنتظر ثوابه منه سبحانه وحده، وإنْ لم يعلم بعطائك أحدٌ من النّاس، بل وإنْ جحد المُعْطَى له فضلك ونسي إحسانك.

وقد ضرب الله تعالى لنا في كتابه أروع مثال على هذا العطاء الخالص في وصفه لأهل بيت النبوّة عليهم السلام، حين قال سبحانه:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، (الإنسان: 8 – 10)، فتأمّل في هذه الآيات الثّلاث؛ يطعمون الطعام وهم في حاجة إليه، فقد كانوا صيامًا ولم يكن عندهم إلّا ما يفطرون عليه، ثمّ يطعمون ثلاث فئات من أحوج النّاس، وهم المسكين الذي لا مال له، واليتيم الذي فقد أباه، والأسير الذي لا حيلة له، ثمّ تأتي الآية العظيمة التي تكشف سرّ هذا العطاء، فيقولون: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ لا جزاءً، أيْ لا مكافأة ماديّة ولا معنويّة، ولا حتّى شكورًا، أيْ ولا كلمةَ شكر، ثم يبيّنون الباعث على هذا الإخلاص، فيقولون:﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أيْ يوم القيامة الذي تعبس فيه الوجوه من شدّة الهول، فهم لا يطلبون ثناء من النّاس، بل يخافون عذاب الله، فيقدّمون هذا العطاء وقاية لأنفسهم من ذلك اليوم.

وهذه الآيات نزلت في حقّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام، حين تصدّقوا بطعام إفطارهم ثلاث ليال متتاليات على المسكين واليتيم والأسير، فهم القدوة العمليّة في العطاء الخالص لله.

وقد روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «قال الله يا ابن آدم، أنفق أُنفق عليك» (مسند الحميدي 2/459)،  وقال الإمام الباقر عليه السلام: «البرّ والصّدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ويدفعان تسعين ميتة السّوء»، (الكافي 4/2)، وقال عليه السلام في حديثٍ آخر يكشف فضل العطاء الخفيّ: «صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ»، (بحار الأنوار 71/82)، وهذا موافق لما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (البقرة: 271)، فجعل الإخفاء أفضل، لأنّه أبعد عن الرّياء وأقرب إلى الإخلاص.

ومن أعظم آفات العطاء التي تذهب بركته وتحبط ثوابه أنْ يتبعه صاحبه بالمنّ والأذى، فالمنّ أنْ يذكّر المعطى بإحسانه إليه، يقول له: ألم أفعل بك كذا؟ ألم أعطك كذا؟ والأذى أنْ يؤذيه بكلمة أوْ نظرة أوْ معاملة تجعله يشعر بالحقارة بسبب أخذه.

وقد حذّر الله تعالى من هذا تحذيرًا شديدًا فقال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾، (البقرة: 264)، فضرب الله مثلًا للمنفق المرائي بصخرة ملساء عليها تراب يسير، فإذا جاء المطر غسل التّراب، وبقيت الصخرة خالية لا ينبت فيها شيء، كذلك صدقة المرائي والمنّان، ظاهرها عملٌ صالح، وحقيقتها فارغة لا ثواب فيها.

وفي المقابل، ضرب الله مثلًا للمنفق المخلص فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (البقرة: 265)، فالمخلص كالبستان في الأرض المرتفعة، إنْ أصابه مطر غزير أثمر ضعفين، وإنْ أصابه مطر خفيف أثمر أيضًا، فعطاؤه دائم البركة، قليله وكثيره مقبول عند الله.

وورد عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إنّه ليس شئ إلّا وقد وكّل به ملك غير الصّدقة، فانّ الله يأخذ بيده» (بحار الأنوار 93/127)، وهذا تشريف عظيم لمن يتصدّق لوجه الله، فإنّ صدقته تصل إلى الله مباشرةً قبل أنْ تصل إلى يد الفقير، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (التوبة: 104).

والعطاء في الله لا يقتصر على المال، بل يشمل كلّ ما يستطيع الإنسان أنْ يبذله، فمن أعطى علمه لمن يستفيد منه فقد أعطى في الله، ومن أعطى وقته لخدمة المؤمنين فقد أعطى في الله، ومن أعطى كلمة طيبة تفرِّج كربًا أوْ تهدي ضالًّا أوْ تُسلّي حزينًا فقد أعطى في الله.

وقد روي عن النّبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «الكلمة الطيّبة صدقة» (بحار الأنوار 8/369).

وقال صلى الله عليه وآله: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرّجل في أرض الضّلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشّوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة» (ميزان الحكمة 2/1597)، فما أوسع باب العطاء في الإسلام، وما أكثر مداخله لمن أراد الله.

العروة الرّابعة: أنْ تمنع في الله

قد يظن كثير من النّاس أنّ الفضيلة كلّها في العطاء، وأنّ المنع نقص وبخل مذموم، ولكنّ الإمام الصّادق عليه السلام يعلّمنا أنّ المنع قد يكون فضيلة عظمى وعبادة جليلة إذا كان لله، وهذا فهم دقيق لا يصل إليه إلّا من تأمّل في الميزان الإلهي بعمق، فالعطاء والمنع كلاهما سلوك ينبغي أنْ يكون خاضعًا لمعيار رضى الله، فقد يكون العطاء في موضع معصية، ويكون المنع في الموضع نفسه طاعة.

ومعنى أنْ تمنع في الله أنْ تمتنع عن إعطاء من لا يستحق، أوْ عن مساعدة من سيستخدم مساعدتك في معصية الله، أوْ عن إعانة من يحارب دين الله، أوْ عن الإنفاق في ما لا يرضي الله، فالمؤمن ليس كالأعمى الذي يعطي كلّ من سأله بلا تمييز، بل هو بصير يضع المال في موضعه، ويمسكه في موضع آخر، كلّ ذلك بميزان الشّرع.

وقد بيّن الله تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه في حقّ السّفهاء الذين لا يحسنون التصرّف بالمال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (النساء: 5)، فأمر الله بمنع المال عن السّفهاء حفاظًا عليه، مع الأمر بالإحسان إليهم بالرّزق والكسوة والقول الحسن، فهذا منع في الله، والغاية منه حفظ المصلحة الشرعيّة لا البخل ولا الشحّ.

ومن صور المنع في الله أنْ يمتنع المؤمن عن إعطاء من سيستخدم العطاء في الحرام، فإذا علم أنّ هذا الشّخص سينفق المال على خمر أوْ مقامرة أوْ أذى للنّاس، فإنّ منعه عبادة تقرّبًا إلى الله، لأنّ إعطاءه إعانة له على الإثم، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، (المائدة: 2)، فإعطاء المعين على الإثم تعاون على الإثم، ومنعه تعاون على البر.

ومن صور المنع في الله أيضًا الامتناع عن نصرة الظّالم، فقد قال الله تعالى لنبيِّه:﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105)، فنهاه عن أنْ يكون مدافعًا عن أهل الخيانة، ولو كانوا من المسلمين ظاهرًا، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: 28)، فالامتناع عن طاعة الغافل المتّبع لهواه عبادة، لأنّ طاعته إعانة على غفلته وإغراق له في هواه، وقد روي عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم فقد خرج من الاسلام» (بحار الأنوار 72/377)، وقال الإمام الصّادق عليه السلام: «العامل بالظلم والمعين له والرّاضي به شركاء ثلاثتهم»، (الكافي 2/333)، فالامتناع عن إعانة الظالم وعن الرضى بظلمه ركن من  الإيمان فلا يستغنى عنه.

ومن أعظم صور المنع في الله ما روي من قصص الأنبياء وأهل البيت عليهم السلام في الامتناع عن مساومة الظّالمين على دينهم، فإنّ الإمام الحسين بن علي عليه السلام، حين خرج إلى كربلاء، عرضت عليه عروض كثيرة من المال والجاه والسلطان مقابل البيعة ليزيد، فمنع نفسه من ذلك كلّه، وقال كلمته الخالدة: «لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذّليل، ولا أقرّ إقرار العبيد» (الإرشاد 2/98)، وقال: «هيهات منّا الذّلة، يأبى الله ذلك لنا ورسولُه والمؤمنون»، (بحار الأنوار 74/162)، فهذا منع في الله من أعظم ما عرفت البشريّة، منع كلّفه نفسه وأهله وأصحابه، ولكنّه كان عبادة خلّدت اسمه في صفحات التّاريخ.

وقد ميّز الله تعالى في كتابه بين البخل المذموم وبين المنع المحمود، فالبخل أنْ يمنع الإنسان ماله عمّن يستحق، حبًّا للمال وضنًّا به، والمنع في الله أنْ يمنعه عمّن لا يستحق، أوْ عمّن سيستخدمه في الباطل، فالبخل مذموم في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾» (آل عمران: 180)، والمنع في الله ممدوح لأنّه طاعة وامتثال لأمر الله.

وروي عن الإمام الصّادق عليه السلام في وصف المؤمن، حيث قال: «المؤمن من طاب مكسبه، وحسنت خليقته، وصحت سريرته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من كلامه، وكفى النّاس شرّه وأنصف النّاس من نفسه»، (الكافي 2/235)، فجعل من صفات المؤمن أنّه ينفق الفضل من ماله، أيْ يعطي ما زاد عن حاجته، ويمسك الفضل من كلامه، أيْ يمنع لسانه عن الكلام الذي لا فائدة فيه، فالمنع في الله يشمل المال والكلام والوقت والعاطفة، كلّ ذلك يمسكه المؤمن عمّا لا يرضي الله ويبذله فيما يرضيه.

وحدة العرى الأربعة وأثرها في حياة المؤمن

لو تأمَّلنا في هذه العرى الأربعة التي ذكرها الإمام الصّادق عليه السلام، لوجدنا أنّها ليست أشياء منفصلة يأخذ المؤمن منها ما يشاء ويترك ما يشاء، بل هي حلقات متّصلة، من أخذ بواحدة قاده ذلك إلى الأخرى، ومن أهمل واحدة تأثّرت الأخريات، فهي كأركان البناء، إنْ سقط منها ركن تهدّم البناء كلّه، وإنْ قويت اشتدّ البناء ووثق.

فالحبّ في الله يقود بالضّرورة إلى البغض في الله، لأنّ من أحبّ الإيمان أبغض الكفر، ومن أحبّ العدل أبغض الظلم، ومن أحبّ الحقّ أبغض الباطل، ولا يتصوّر أنْ يكون الإنسان محبًّا لشيء دون أن يكون مبغضًا لضدّه، فإنّ ذلك علامة تذبذب في القلب وضعف في الإيمان، كذلك الحبّ في الله يقود إلى العطاء في الله، لأنّ المرء يعطي من يحبّ، فإذا أحبّ المؤمن أخاه في الله، بذل له من نفسه وماله ووقته، والبغض في الله يقود إلى المنع في الله، لأنّ الإنسان يمتنع عن إعانة من يبغض ما هو عليه من باطل، فهذه الأركان سلسلة من حلقات منطقيّة متّسقة، يفضي بعضها إلى بعض.

ومن المهم أنْ نلاحظ ترتيب الإمام عليه السلام لهذه الأركان، فقد بدأ بالحبّ ثمّ البغض ثمّ العطاء ثمّ المنع، والسرّ في ذلك أنّ الحبّ والبغض من أعمال القلب، وهما الأصل، والعطاء والمنع من أعمال الجوارح، وهما الفرع، فإذا صلح القلب في حبّه وبغضه، صلحت الجوارح في عطائها ومنعها، وإذا فسد القلب فأحبّ ما يبغضه الله وأبغض ما يحبّه الله، فسدت الجوارح بالضّرورة، فأعطت لمن لا يستحقّ ومنعت من يستحقّ، ولهذا قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور : «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب» (بحار الأنوار 58/23)، فالقلب هو محور الإيمان، وهو الذي يحدّد إنْ كان عمل الإنسان كلّه لله أمْ لغير الله.

ولكي يتأكّد المؤمن من أنّ حبّه وبغضه وعطاءه ومنعه كلّها لله حقًّا وليست لهوى نفسه، عليه أنْ يمارس ما تعلّمنا إيّاه روايات أهل البيت عليهم السلام من محاسبة النّفس، فقد روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام أنّه قال: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإنْ عمل حسنًا استزاد الله، وإنْ عمل سيئًا استغفر الله منه وتاب إليه» (الكافي 2/453)، فالمحاسبة اليومّية مرآة يرى فيها المؤمن حقيقة قلبه، وعليه أنْ يسأل نفسه، لماذا أحببت فلانًا اليوم؟ هل لأنّه قريب من الله أمْ لأنّه نفعني في الدّنيا؟ لماذا أعطيت فلانًا؟ هل ابتغاء وجه الله أمْ طلبًا لثناءٍ أوْ مكافأة؟ لماذا منعت فلانًا؟ هل لأنّه لا يستحقّ في ميزان الشّرع، أمْ لأنني أبغضه لذاته بهوى نفسي؟ فإذا أجاب القلب بصدق أنّ الباعث هو الله، فاعلم أنّ العمل لله، وإلّا فعليك تصحيح النيّة والمراجعة.

ومن أعظم ثمار هذه العرى الأربعة أنّها تحرّر الإنسان من عبوديّة النّاس وعبوديّة المصالح والأهواء، وتجعله عبدًا لله وحده، فالذي يحبّ ويبغض ويعطي ويمنع لأجل النّاس، يبقى أسيرًا لرضاهم وسخطهم، يتعبه النّاس ويرهقه إرضاؤهم، ولا يصل أبدًا إلى راحة نفسيّة، أمّا الذي جعل ميزانه رضى الله، فإنّه يستريح من هذا التعب كلّه، لأنّه لا يبالي برضى أحد ما دام الله راضيًا عنه، ولا يخشى سخط أحد ما دام الله غير ساخط عليه، وقد ورد في الدّعاء المنسوب إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام: «اللهم اجعلني أصول بك عند الضّرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرّع إليك عند المسكنة، ولا تفتنّي بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت، ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت» (الصحيفة السجادية، ص 112).

ومن ثمار هذه العرى أيضًا أنّها تورث المؤمن قوّة في الحقّ لا تلين، فلا تأخذه في الله لومة لائم، فحين يعلم أنّ حبّه لله ولأولياء الله فقط، لا يبالي بمن سخط عليه من أعداء الله، وحين يعلم أنّ عطاءه لله، لا يبالي بمن لم يشكره من النّاس، وحين يعلم أنّ منعه في الله، لا يُبالي بمن غضب منه لمّا منعه إعانة على الباطل، فهو ثابت كالجبل، لا تحرّكه الرّياح ولا تزحزحه الفتن، وقد قال الله تعالى في وصف هؤلاء:﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54)، فاجتمعت في هذه الآية كلّ العرى، الحبّ المتبادل مع الله، والذّلة على المؤمنين «وهي عطاء المحبّة والرّحمة»، والعزّة على الكافرين «وهو منع للمودّة عن أعداء الله»، والجهاد في سبيله، وعدم المبالاة بلوم اللائمين.

وفي ختام هذا البحث، نقف على حقيقة كبرى تكشفها كلمة الإمام الصّادق عليه السلام، وهي أنّ الإيمان ليس مجرّد اعتقاد ساكن في القلب، ولا مجرّد عبادة ميّتة في الجوارح، بل هو حركة دائبة بين القلب والجوارح، بين الحبّ والبغض، بين العطاء والمنع، كلّها تدور حول محور واحد هو الله سبحانه وتعالى.

فمن جعل هذه العرى الأربعة لله، أمسك بأوثق عرى الإيمان التي لا انفصام لها، كما قال الله تعالى في وصف هذه العروة: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، ومن أهملها أوْ خلط فيها بين الله والهوى، فإنّ إيمانه يبقى ناقصًا، وقلبه يبقى مضطربًا، وعمله يبقى مذبذبًا.

ولنا في أئمة أهل البيت عليهم السلام أعظم القدوة في تجسيد هذه العرى الأربعة، فهم الذين أحبّوا في الله حتّى ضحّوا بأنفسهم لأجل من يحبّون، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام مع أصحابه، وهم الذين أبغضوا في الله حتّى تبرّأوا من أقاربهم الذين انحرفوا عن جادّة الحقّ، وهم الذين أعطوا في الله حتّى أنزل الله في حقّهم سورة الإنسان، وهم الذين منعوا في الله حتّى رفضوا بيعة الظّالمين ولو كلّفهم ذلك أرواحهم، فلنجعلهم قدوتنا، ولنسر على نهجهم، ولنحاول جاهدين أنْ نترجم كلمة الإمام الصّادق عليه السلام إلى واقع نعيشه في كلّ يوم من أيام حياتنا.

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.