ثمار الثورة الحسينية
الشيخ حسن عبد الله العجمي
حين نتأمّل في تاريخ البشريّة، نجد أحداثًا كثيرة مرّت ومضت، ثمّ طواها النسيان مع مرور الأيام، لكنّ هناك حدثًا واحدًا وقع قبل أكثر من ألف وثلاثمئة سنة، ولا يزال الناس يتحدّثون عنه إلى اليوم وكأنّه حصل بالأمس، هذا الحدث هو ما جرى للإمام الحسين بن علي "عليه السلام" في أرض كربلاء، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جعل هذه الحادثة بالذّات تبقى حيّةً في ضمير الأمة كلّ هذه القرون؟ والجواب باختصار: لأنّ الحسين لم يخرج لطلب ملك ولا جاه، بل خرج ليُصلح ما فسد في أمّة جدّه، وليُعلّم الناس كيف يعيشون أحرارًا كرامًا، ومن هذا الخروج المبارك، خرجت ثمار كثيرة ما زلنا نقطف منها إلى يومنا هذا، تعالوا نتعرّف عليها معًا بكلّ بساطة ووضوح.
أولًا: الحسين أنقذ الإسلام من الضيّاع
لو لم يخرج الحسين في تلك الفترة الصعبة، لكان الإسلام الذي نعرفه اليوم شيئًا مختلفًا تمامًا، في ذلك الزمان، وصل إلى الحكم رجلٌ اسمه يزيد، وكان يفعل ما يشاء ولا يلتزم بشيء من تعاليم الدين، ومع ذلك يسمّي نفسه "أمير المؤمنين"، تخيّلوا لو سكت الحسين عن هذا الوضع، ماذا كان سيحدث؟ كان الناس سيظنّون أنّ هذا هو الإسلام الحقيقي، وأنّ هذه التصرّفات مقبولة شرعًا.
لكنّ الحسين رفض السكوت، وقال كلمته المشهورة: "ومثلي لا يبايع مثله"، وعندما خرج وقُتل بهذه الطريقة المأساويّة مع أهل بيته وأصحابه، انتبه الناس فجأةً إلى الفرق الكبير بين الإسلام الحقيقي الذي جاء به النبي، وبين ما يفعله يزيد وغيره من المتسلّطين على رقاب المسلمين باسم الإسلام، فدمُ الحسين كان كالنّور الذي كشف الظلام، وأعاد الناس إلى دينهم الصافي.
ثانيًا: علّمنا الحسين أن نرفض الذلّ
من أجمل ما قاله الإمام الحسين كلمته: "هيهات منّا الذلّة" هذه الكلمة الصغيرة تحمل معنى عظيمًا، وهو أنّ الإنسان المؤمن لا يقبل الإهانة ولا الخضوع للظالم مهما كلّفه ذلك، الحسين كان يستطيع أن يُنقذ نفسه لو وافق على مبايعة يزيد، لكنّه فضّل الموت على الحياة الذّليلة.
هذا الدرس انتشر في العالم كلّه، وليس عند المسلمين فقط، حتى الزّعيم الهندي الشّهير المهاتما غاندي قال: "تعلّمتُ من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر"، وكذلك تأثّر به كثير من قادة العالم الذين قاوموا الاستعمار والظلم، فالحسين أصبح رمزًا للحريّة والكرامة عند كلّ الشعوب، وليس عند طائفة معيّنة فقط.
ثالثًا: مجالس العزاء التي تجمع الناس على الخير
من أجمل الثمار التي تركها الحسين لنا، هذه المجالس التي تقام في شهر محرّم كلّ عام، ليست هذه المجالس مجرّد بكاء وحزن كما يظنّ بعض الناس، بل هي مدارس حقيقية يتعلّم فيها الصغير والكبير.، ففي هذه المجالس، يسمع الناس عن الصدق، والشجاعة، والوفاء، والتضحية، وحبّ الله، وحبّ النبي وآله، والطفل الذي يحضر مجلس عزاء الحسين منذ صغره، ينشأ على قيم نبيلة تبقى معه طول حياته.
كما أنّ هذه المجالس تجمع الناس على الخير، فيلتقي الجار بجاره، والقريب بقريبه، ويطعم الناس بعضهم بعضًا، وتنتشر روح المحبّة والأخوّة، وفي عصرنا هذا الذي ابتعد فيه الناس عن بعضهم بسبب مشاغل الحياة، تأتي مجالس الحسين لتُعيد لنا الدفء الإنساني والترابط الاجتماعي.
رابعًا: ثورة الحسين ألهمت كلّ الثوّار في التاريخ
كلّ من قام بثورة عادلة في تاريخ الإسلام، كان يستلهم من الحسين قوّته وعزيمته، فبعد مقتل الحسين بفترة قصيرة، قام التوّابون يطلبون الأخذ بثأره، ثم جاء المختار الثقفي وانتقم من قتلة الحسين، ثم تتالت الثورات في كلّ مكان. حتى في العصر الحديث، حيث نجد أنّ كثيرًا من حركات التحرّر والمقاومة ضدّ الظلم رفعت اسم الحسين شعارًا لها.
خامسًا: قيم أخلاقية نتعلّمها كلّ يوم
في كربلاء، لم تكن المعركة مجرّد قتال بين فريقين، بل كانت مدرسةً متكاملة في الأخلاق والقيم، انظر مثلًا إلى أصحاب الحسين، كيف بقوا معه حتّى آخر لحظة رغم أنّه أذن لهم بالانصراف، قالوا له بكلّ بساطة: "لو قُتلنا ثم أُحيينا ثم قُتلنا مرّة أخرى، ما تركناك"، هذا هو معنى الوفاء الحقيقي، وانظر إلى العباس بن علي، أخي الحسين، كيف ذهب ليُحضر الماء للأطفال العطشى، ولمّا وصل إلى الماء لم يشرب منه حياءً من إخوته العطاش، رغم أنّه كان يحترق عطشًا، هذا هو الإيثار في أعلى صوره.
وانظر إلى السيدة زينب أخت الحسين، كيف صبرت على فقد إخوتها وأبنائها وأقاربها، ومع ذلك وقفت أمام الطغاة بكلّ شجاعة وقالت كلمتها الخالدة: "ما رأيتُ إلا جميلًا"، هذه القيم ليست مجرّد قصص نحفظها، بل دروسٌ نعيشها في حياتنا اليومية مع أبنائنا وأزواجنا وجيراننا.
سادسًا: المرأة في كربلاء كان لها دور عظيم
من الأشياء المهمّة التي علّمتنا إيّاها كربلاء، أنّ المرأة ليست فقط للبيت والأطفال، بل لها دور كبير في إصلاح المجتمع وحفظ الدين، السيدة زينب عليها السلام، بعد استشهاد أخيها الحسين، حملت رسالة كربلاء إلى الكوفة والشام، ووقفت أمام ابن زياد ويزيد بخطبٍ قوية فضحت ظلمهم أمام الناس، ولولا زينب، لاستطاع الأمويون أن يُخفوا حقيقة ما جرى في كربلاء، ولظنّ الناس أنّ الحسين خرج على الحاكم الشرعي وحصل على ما يستحق، لكنّ زينب أوصلت الرسالة إلى كلّ بيت، وكشفت الحقيقة أمام كلّ عين، وأبكت كلّ قلب، وهكذا تعلّمنا من كربلاء أنّ المرأة المؤمنة قويّة، شجاعة، صبورة، وتستطيع أن تُحدث تغييرًا حقيقيًّا في المجتمع.
سابعًا: الحسين رمز للعالم كلّه
من الأمور العجيبة التي تستحقّ التأمّل، أنّ حبّ الحسين لم يبقَ محصورًا في المسلمين فقط، بل تجاوز ذلك إلى أتباع الديانات الأخرى. هناك كتّاب مسيحيون مشهورون كتبوا عن الحسين بإعجاب كبير، مثل الكاتب أنطون بارا الذي ألّف كتابًا اسمه "الحسين في الفكر المسيحي"، وكذلك الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز قال: "لو كان الحسين يحارب من أجل أهداف دنيوية، لما أخذ معه نساءه وأطفاله إلى ساحة المعركة، إذن لا بدّ أنه ضحّى من أجل قضيّةٍ سامية".
والسبب في هذه العالمية، أنّ الحسين دافع عن قيم يفهمها كلّ إنسان شريف، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًّا أو هندوسيًّا أو حتى بلا دين، قيم الحرية، والعدالة، ورفض الظلم، وكرامة الإنسان، هذه قيم مشتركة بين البشر جميعًا، ولذلك صار الحسين رمزًا للإنسانية كلّها.
ثامنًا: قضية الحسين لا تنتهي
أعظم سرّ في ثورة الحسين أنّها ليست حدثًا انتهى وانطوى، بل هي قضيّةٌ مفتوحة تتجدّد في كلّ زمان، كلّما رأينا ظلمًا في الأرض، تذكّرنا الحسين. كلّما رأينا مظلومًا يُقاوم ظالمًا، استحضرنا كربلاء، كلّما احتاج الناس إلى قدوةٍ في الصبر والثبات، وجدوا الحسين أمامهم.
ورد في الحديث: "إنّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا"، وهذه الحرارة هي التي تحرّك القلوب نحو الإصلاح والتغيير، وهي التي تجعل قضيّة الحسين حيّة في كلّ جيل، وكأنّ كربلاء لم تكن في الماضي، بل تتجدّد كلّ يوم في كلّ مكان فيه مظلوم يطلب حقّه.
وفي الختام نقول:
مرّت أربعة عشر قرنًا على واقعة كربلاء، وما زال اسم الحسين يُذكر في كلّ بيت من بيوت المؤمنين، سقطت دولٌ كثيرة وقامت دولٌ أخرى، تغيّر العالم كلّه مرّاتٍ ومرّات، لكنّ ذكر الحسين باقٍ لا يتغيّر. لقد ظنّ يزيد أنّه بقتله الحسين سيُنهي قضيّته إلى الأبد، لكنّ ما حدث كان العكس تمامًا. فالحسين الذي قُتل في يومٍ واحد، وعاش في القلوب آلاف السنين، وسيبقى حيًّا ما بقي على الأرض إنسانٌ يُحبّ الحقّ ويكره الظلم.
هذه هي ثمار الثورة الحسينية، ثمارٌ لا تنفد، وعطاءٌ لا ينقطع، ودروسٌ لا تنتهي. فطوبى لمن أحبّ الحسين، وطوبى لمن سار على دربه، وطوبى لمن جعل حياته امتدادًا لرسالته.
فالسلام على الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيًّا.