عاشوراء .. سرّ الخلود وتجدد الحضور في الوجدان الإسلامي
الشيخ حسن عبد الله العجمي
ليست عاشوراء ذكرى تاريخية تُستعاد في موسم ثم تغيب، بل هي واحدة من أكثر الذكريات رسوخًا في الوجدان الإسلامي، لأنها جمعت بين حرارة العاطفة وعمق الفكرة، وبين مشهد المظلومية ورسالة الثبات على الحق.
منذ قرون طويلة، ما تزال عاشوراء حاضرة في القلوب والضمائر، لا بوصفها حادثة من الماضي فحسب، بل باعتبارها معنى متجددًا يلامس حياة الناس في كل زمان، ففي اليوم العاشر من المحرم، يستحضر المسلمون، ولا سيما في الوجدان الشيعي، ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء، وهي ذكرى لم تفقد تأثيرها رغم تعاقب السنين، بل ازدادت حضورًا واتساعًا.
وسرّ هذا البقاء أن كربلاء لم تُفهم على أنها مجرد مواجهة عسكرية انتهت في لحظة زمنية محددة، بل بوصفها موقفًا أخلاقيًا كبيرًا وقف فيه الإمام الحسين مع الحق في وجه الظلم، وقدم نفسه وأهل بيته وأصحابه دفاعًا عن القيم والمبدأ، ولهذا لم تبقَ عاشوراء حبيسة التاريخ، بل تحولت إلى رمز دائم للصبر والكرامة ورفض الانحراف، وصارت قادرة على مخاطبة كل جيل بلغته وهمومه وأسئلته.
ومن أبرز أسباب خلود هذه الذكرى أنها تعيش في الناس من خلال الجانب العاطفي العميق، فالحزن على الإمام الحسين ليس حزنًا عابرًا، ولا مجرد طقس موسمي، بل هو تعبير صادق عن المحبة والولاء والانحياز إلى الموقف الحق، لذلك بقيت الدمعة حاضرة في المجالس والمراثي والخطب، لأنها ليست مجرد انفعال، بل وسيلة لحفظ القيم في الوجدان، وجعل المأساة حيّة في الضمير الإنساني والديني.
وتكشف الدراسات التاريخية أن إحياء كربلاء في مراحله الأولى بدأ في مجالس خاصة وشبه خاصة، عبر الرواية الشفوية والرثاء واستعادة تفاصيل المصاب، وهو ما ساعد على بقاء الذاكرة حيّة حتى في فترات التضييق والقمع، ومع مرور الزمن، تطورت هذه الممارسات إلى تقاليد اجتماعية ودينية راسخة، وأصبحت المجالس والشعائر وسيلة أساسية لنقل قصة كربلاء من جيل إلى جيل.
لكن عاشوراء لم تبقَ حيّة بالعاطفة وحدها، فإلى جانب الحزن والدمعة، هناك بُعد فكري عميق منح هذه الذكرى قدرتها على التجدد، فكل استذكار لعاشوراء يعيد طرح أسئلة كبرى: ما معنى الوقوف مع الحق؟ متى يصبح الصمت أمام الظلم خذلانًا؟ كيف يكون الانتصار، أهو بالغلبة المادية فقط أم بخلود الموقف؟ هذه الأسئلة جعلت من عاشوراء مدرسة وعي، لا مجرد لحظة بكاء، ورسخت حضورها في النفوس لأنها تمنح الإنسان درسًا متجددًا في الفهم والموقف.
ولهذا السبب، لم تتحول الذكرى إلى حزن مغلق على الماضي، بل بقيت مرتبطة بالحاضر، فالحسين عليه السلام لم يعد في الوجدان الإسلامي مجرد شخصية تاريخية عظيمة، بل صار رمزًا لكل موقف شجاع يرفض الذل والفساد، ولكل ضمير يرى أن التضحية من أجل الحق أسمى من السلامة مع الباطل، ومن هنا ظل الناس يعودون إلى كربلاء كل عام، لا ليستذكروا ما جرى فقط، بل ليجددوا فهمهم لمعنى الثبات والوفاء والكرامة.
ويزداد هذا الحضور قوة بفضل الطابع الجماعي للشعائر العاشورائية، فالمجالس، والزيارات، والمواكب، والخطاب الديني المصاحب لها، كل ذلك لا يحفظ الحدث فقط، بل يحول الذكرى إلى تجربة معاشة داخل المجتمع، لأن الناس لا يسمعون القصة فحسب، بل يعيشونها ضمن ذاكرة جماعية متجددة تربط الماضي بالحاضر، والحدث بالانتماء.
ومن هنا يتضح أن قوة عاشوراء تكمن في هذا الامتزاج الفريد بين القلب والعقل، فالدمعة تمنح الذكرى دفئها الإنساني، والفكرة تمنحها عمقها العقائدي، وبهذا الاجتماع تتحول المناسبة إلى قوة تربوية وثقافية مستمرة، فالإنسان لا يخرج من عاشوراء متأثرًا فقط، بل أكثر وعيًا بمعاني الحق والصبر والتضحية والانتماء إلى خط أهل البيت عليهم السلام.
إن عاشوراء باقية لأنها ليست مناسبة للحزن وحده، بل مناسبة لتجديد العهد مع القيم، وهي متجددة لأن الظلم لم يختفِ من العالم، ولأن الإنسان سيظل بحاجة إلى نموذج يعلّمه كيف يكون الثبات على المبدأ، حتى في أصعب الظروف، لذلك ظل الحسين حاضرًا في الضمير الإسلامي، وظلت كربلاء حيّة في الوجدان، لأنها لم تكن مجرد واقعة دامية، بل كانت - وما تزال - رسالة مفتوحة إلى كل زمان.
وفي المحصلة، فإن سرّ الخلود في عاشوراء لا يعود فقط إلى عظمة المصيبة، بل إلى قدرتها الدائمة على أن تجمع بين الحزن الذي يرقّق القلوب، والفكر الذي يبني الوعي، والانتماء الذي يرسخ الهوية، ولهذا تبقى هذه الذكرى متوهجة في النفوس عامًا بعد عام، لا لأن الناس يتذكرونها فقط، بل لأنهم يجدون فيها دائمًا ما يضيء لهم معنى الحق والكرامة والوفاء.