زينب عليها السّلام: سيرةٌ من نورٍ ودروسٌ خالدة
الشيخ حسن عبد الله العجمي
في تاريخ الإسلام أسماءٌ لا تذكرها الألسنة إلّا وتنحني لها القلوب إجلالاً، وفي مقدمة تلك الأسماء يبرز اسم السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليهم السلام، تلك المرأة التي اجتمع فيها شرف النسب وعلوّ النّفس وقوّة الإيمان وبلاغة اللسّان، فكانت امتدادًا حقيقيًّا لمدرسة النبوّة، وحاملةً لرسالة كربلاء بعد أنْ استشهد حاملها الأوّل الإمام الحسين عليه السلام، ولأنّ سيرتها بحرٌ لا ينضب، فإنّ المتأمل في حياتها يجد فيها معينًا من الدّروس التي تصلح لكلّ زمان ومكان، وتنير الطريق لكلّ من ابتُلي بمحنة أو وقف في وجه ظلم أو حمل في قلبه رسالةً يريد لها البقاء.
نشأت السيدة زينب عليها السلام في بيتٍ هو مهبط الوحي ومأوى الملائكة، فأبوها باب مدينة العلم، وأمّها سيّدة نساء العالمين، وأخواها سيدا شباب أهل الجنّة، في هذا البيت الطاهر تشرّبت معاني العلم والتّقوى منذ نعومة أظفارها، حتّى لُقّبت بـ"عقيلة بني هاشم" و"العالمة غير المُعلَّمة"، وكانت تعقد في الكوفة مجالس لتعليم النساء، فكانت بذلك نموذجًا للمرأة المسلمة التي لا تكتفي بأنْ تكون متلقيةً للعلم، بل تتجاوز ذلك إلى أنْ تكون منبعًا تستقي منه نساء الأمة، ومن هنا يتعلّم المتأمل في سيرتها أنّ طلب العلم ليس حكرًا على جنس دون آخر، وأنّ المرأة حين تتسلّح بالمعرفة تصبح قادرةً على بناء جيلٍ كامل.
ولم تكن السيدة زينب عليها السلام عالمةً فحسب، بل كانت عابدةً قانتةً لا تفتر عن ذكر الله، حتى رُوي أنّها لم تترك صلاة الليل حتّى في أصعب ليلة مرّت عليها، وهي ليلة الحادي عشر من محرم، حين كانت جثّة أخيها الحسين عليه السلام مطروحةً على رمال كربلاء، وكانت تجمع الأطفال الباكين والنساء الثكالى من حولها، فأيّ إيمانٍ هذا الذي لا يتزعزع أمام كلّ تلك المصائب؟ وأيّ صلةٍ بالله هذه التي تجعل العبد يستمد قوته من خالقه حين تنهار كلّ القوى من حوله؟ إنّ في هذا الموقف وحده درسًا عظيمًا لكلّ من ابتُلي بمصيبة فظنّ أنّ العبادة عبءٌ لا يحتمل في زمن الشّدة، بينما الحقيقة أنّ العبادة هي الملاذ الذي يجد فيه القلب المكسور سكينته، والمعين الذي يستمد منه الإنسان قوّته على مواجهة المحن.
وحين تشير الأقدار إلى أنْ تكتب السيدة زينب عليها السلام أعظم فصول حياتها، خرجت مع أخيها الإمام الحسين من المدينة إلى مكة ثم إلى كربلاء، وهي تعلم أنّ الطريق طريق دمٍ وأنّ النّهاية شهادة، ومع ذلك لم تتردد لحظةً واحدة، لأنّها كانت تدرك أنّ نصرة الحق فريضةٌ لا تسقط بالخوف، وأنّ السّكوت عن الباطل شراكةٌ في إثمه، ولما حلّت كربلاء وبدأت المأساة تتكشف فصلًا فصلًا، رأت بأمّ عينيها كيف يذبح إخوتها واحدًا تلو الآخر، ورأت أبناءها يسقطون شهداء بين يديها، ثمّ رأت أخاها الحسين عليه السلام يخرج وحيدًا بعد أنْ قُتل أنصاره جميعًا، فاستقبلت كلّ ذلك بصبرٍ لم يعرف التاريخ له مثيلًا، ولعلّ أعظم ما يتجلّى من هذا الموقف هو معنى الصبر الحقيقي، فالصبر ليس بلادة الشعور ولا جمود العاطفة، بل هو قدرة الإنسان على ضبط نفسه أمام البلاء مع إيمانٍ راسخ بأنّ لله في كلّ قضاء حكمة، وأنّ المؤمن لا يخسر مهما خسر ما دام قلبه معلقًّا بالله.
ولم يكن صبر السيدة زينب صبرًا سلبيًّا، بل كان صبرًا فاعلًا يتحوّل إلى موقفٍ ومسؤولية، فحين سقط الحسين عليه السلام شهيدًا وداهمت الخيول العدوّة الخيام، وقفت زينب وحيدةً تحمي ابن أخيها الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من سيف شمر بن ذي الجوشن، فألقت بنفسها عليه قائلةً: "والله لا يُقتل حتى أقتل دونه". في تلك اللحظة لم تكن مجرّد عمّة تحمي ابن أخيها، بل كانت حارسةً لخط الإمامة وضامنةً لاستمرار الرسالة، فلولا موقفها ذاك لانقطع نسل النبوّة من ذريّة الحسين، ولفقدت الأمة إمامها الرّابع الذي حمل بعد ذلك علوم آل البيت ونشرها بين الناس.
ثم جاءت المرحلة الأصعب، حين سيقت نساء أهل البيت سبايا من كربلاء إلى الكوفة ثمّ إلى الشام، مكشوفات الوجوه مكبّلات بالحبال، يتقدّمهنّ موكبٌ من رؤوس الشهداء على أسنّة الرماح، وهنا تجلّت عبقرية السيدة زينب عليها السلام في أبهى صورها، فلم تستسلم للمأساة ولم تكتفِ بالبكاء، بل حوّلت محنتها إلى منبرٍ تخاطب منه الأمة، وجعلت من قيدها قلمًا يكتب به التاريخ، ففي الكوفة، حين دخلت على أهلها الذين خذلوا الحسين بعد أنْ كاتبوه، وقفت فيهم خطيبةً تذكّرهم بنبيّهم وتفضحهم بكلماتٍ نزلت عليهم كالصواعق، حتّى قال أحد من حضر المشهد: "فوالله لقد رأيت الناس حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم"، لقد كانت تلك الخطبة وحدها كافيةً لتقلب موازين الرأي العام وتعيد للحسين قضيته في وعي الناس، بعد أنْ حاول الأمويّون تشويهها وتقديمه على أنّه خارجٌ على الإمام الشّرعي.
ثم في مجلس عبيد الله بن زياد بالكوفة، حين أراد أنْ يشمت بها ويكسر شموخها فقال متهكمًا: "كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟"، أجابته بكلمتها الخالدة التي ستظل ترنّ في أذن التاريخ ما بقي الزّمان: "ما رأيتُ إلّا جميلًا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجّ وتُخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة"، وفي هذه الكلمات القليلة هزمت زينب طاغية الكوفة، وانتزعت منه نشوة انتصاره، وأفهمته أنّ ما يراه هزيمةً ظاهرية هو في حقيقته انتصارٌ معنوي لا يدركه إلّا أصحاب البصائر، وهنا يتعلم القارئ أنّ المعركة الحقيقية ليست دائماً معركة السيف، بل معركة الوعي والكلمة، وأنّ الحق حين يُهزم في ميدان القوّة قد ينتصر في ميدان الحجة، وأنّ التاريخ في النهاية لا يكتبه المنتصرون عسكريًّا، بل يكتبه أصحاب القضايا العادلة الذين يصمدون أمام محاولات التزييف.
ولم تكتفِ السيدة زينب عليها السلام بمواجهة ابن زياد، بل واصلت رسالتها حتى وصلت إلى مجلس يزيد بن معاوية في دمشق، حيث كان قد جلس على عرشه يتشفّى برأس الحسين الذي وُضع بين يديه وهو ينكث ثناياه بقضيب من خيزران، وهناك وقفت زينب بكلّ عزّة وكبرياء ابنة علي وفاطمة، وألقت خطبتها العظيمة التي بدأتها بقولها: "الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين"، ثم انطلقت في تعرية يزيد وكشف زيفه أمام أهل الشام الذين كانوا قد ضُلّلوا طويلاً بالدّعايات المغرضة، قالت له بكل جرأة: "فكِد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها". كانت هذه الكلمات بمثابة الحكم التاريخي الذي أصدرته زينب على يزيد وعلى دولته، فمضت السّنون وتحقق ما قالته، إذ اندثر ذكر يزيد، بينما بقي ذكر الحسين وأهل بيته يتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل.
ومن أعظم ما يستفاد من مسيرة السبايا أنّ الكلمة الصّادقة يمكنها أنْ تفعل ما لا تفعله الجيوش، وأنّ المرأة المؤمنة قادرة على أنْ تكون صوت الحق حين يُكمَّم الأفواه ويُسكَت الرّجال، لقد حفظت السيدة زينب رسالة كربلاء من الضياع، وحوّلت الهزيمة العسكرية الظاهرية إلى نصرٍ معنوي خالد، فلولا خطبها وثباتها وروايتها لما جرى، لطُمست معالم الثورة الحسينية ولحُرّفت حقيقتها كما حدث لكثير من الأحداث في التاريخ.
وحين عادت السيدة زينب أخيرًا إلى المدينة، لم تكن المرأة التي خرجت منها قبل أشهر، بل كانت قد حملت معها وجع الأمة كلّها، ومسؤوليّة أنْ تظل قضية الحسين حيّة في وجدان الناس، واصلت دورها في تربية الأجيال ونشر علوم آل البيت، حتى انتقلت إلى جوار ربها وقد تركت إرثًا لا يُقدّر بثمن، إرثًا يقول لكل امرأة مسلمة: إنّ قيمتك ليست بما تملكين بل بما تحملين من قيم، وإنّ أثرك في الحياة لا يقاس بطول عمرك بل بعمق رسالتك.
إن الدروس التي يمكن استخلاصها من حياة السيدة زينب عليها السلام لا تنحصر في زمانها ولا تتوقف عند مأساتها، بل هي دروسٌ صالحة لكلّ امرأة ولكلّ رجل ولكلّ أمّة تواجه التحديات، فمنها نتعلّم أنّ الإيمان بالله هو الحصن الذي لا يُهدم، وأنّ الصبر الجميل يحوّل المحنة إلى منحة، وأنّ الكلمة الصّادقة سلاحٌ لا يصدأ، وأنّ العفّة والكرامة قيمتان لا يُساوم عليهما مهما اشتدت الظروف، وأنّ المرأة شريكة الرّجل في حمل الرسالة وصنع التاريخ، وأنّ المسؤولية الاجتماعية تحتم علينا الوقوف مع المظلومين ومناصرة الحق ولو كنّا وحيدين، وأنّ التاريخ في النّهاية يكتبه أصحاب القضايا العادلة لا أصحاب السيوف الباغية.
تبقى السيدة زينب عليها السلام نجمةً مضيئة في سماء الإسلام، تُلهم كل من يقرأ سيرتها أنّ الحياة ليست بمقدار ما نعيش، بل بمقدار ما نترك من أثر، وأنّ أعظم الانتصارات لا تُنتزع بالسيف وحده، بل بالقلب الذي لا يهتز، واللسّان الذي لا يعرف الخوف، والإيمان الذي لا يعرف الانكسار. وستظل خطبها تُتلى في المنابر، ومواقفها تُروى في الكتب، وذكراها تُحيا في القلوب، شاهدةً على أنّ من جعل الله غايته رفعه الله ذكرًا وأبقى له في الآخرين لسان صدق.