صاحب الجراب .. الوجه الاجتماعي للإمام زين العابدين عليه السلام                ثمار الثورة الحسينية               الإمام الحسين عليه السّلام صمام الأمان في المنظومة الوجوديّة                زينب عليها السّلام: سيرةٌ من نورٍ ودروسٌ خالدة               النهضة الحسينية مشروع إصلاحي متكامل                عاشوراء قيم حق لا تموت                لباس التقوى                عاشوراء .. سرّ الخلود وتجدد الحضور في الوجدان الإسلامي               قراءة في شعار موسم عاشوراء               النهج الحضاري في الملحمة الحسينية               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
266589
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات عامة
 
 
الإمام الحسين عليه السّلام صمام الأمان في المنظومة الوجوديّة
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/06/22 - [المشاهدات : 144]
 

 الإمام الحسين عليه السّلام صمام الأمان في المنظومة الوجوديّة

الشيخ الدكتور هلال حسن علي اللواتي

التّعامل هو مع "النفس" البشريّة، وهي بالرغم على قربها من كل واحد من صاحبها، فإننا أبعد ما نكون عنها معرفة وإدراكاً لحقيقتها، وهذا من الطبيعي جداً أن يلزم منه عدم التعامل الصحيح معها، حيث يفقد الإنسان البوصلة من أصل في كيفية التعامل معها.

فإن الأصل هو: أن هناك طبيعة وجودية قد تحققت في الإنسان، وتحققت في كل شيء على الإطلاق -من أصغر شيء في الذرة إلى أعظم مجرة-، ولهذه الطبيعة الوجودية مقتضيات خاصة، وهي محتاجة إلى التعامل معها بالنحو الذي عليه قواعدها التكوينية، وأحكامها الوجودية، وهذا يعني أن إذا أردنا التعامل مع "ذات" كل شيء ومنها ذات الإنسان، أن نعمل وفق تلكم المقتضيات، وأن نتعامل مع الإنسان ومع كل شيء وفق أحكامها قواعدها وضوابطها ومتطلباتها واحتياجاتها.

وهذا يعني .. إذا ما فَقَدَ الإنسان معرفة ذاته، فهو يعني أنه فَقَدَ معرفة مقتضيات هذه الذات، ويلزم منه تلقائيا وطبيعياً أن يَفْقُد التعامل الصحيح مع هذه الذات، وهو يعني أن يسير في طريق على خلاف تلكم المقتضيات، وهو يعني أنه سوف يفقد كل شيء فاضل في حياته، وهو يعني أنه يستبدل الرذيلة بالفضيلة، حيث لن تبقى الفضيلة عنده، بل سوف تحل محلها الرذيلة، وإذا حدث هذا .. فإنه يعني أن يحدث ما هو أسواء من كل ما تقدم وهو: أن يصبح الإنسان يدعو إلى الرذيلة ويحارب الفضيلة.

ويجر شيء إثر شيء .. فإن فقدان المعرفة لهذه النفس؛ تبدأ النفس في السير في عالم "التجاوز للبديهات"، حيث يؤثر مسلكها على "العقل وبداهته"، وبالتالي يفقد الإنسان التمييز بين الحقيقة والخيال، وبين  الواقع والسراب والوهم ... وهلم جراً، وكل هذا يحدث بإسلوب هادئ، لين، ناعم جداً، ولا يشعر الإنسان أنه بدأ يفقد تمييزه، ويفقد معرفته، ويفقد حقيقته، ويفقد واقعه.

وإذا ما حدث كل هذا .. فعندئذ توَقَّع كل شيء، توّقَّع أن يقبل الإنسان الذل، وتوَقَّع أن يقبل الباطل، وتوَقّع أن يقبل الربا، وتوَقَّع أن يقبل الزنا، وتوَقَّع أن يقبل السرقة، وتوَقَّع أن يقبل المِثْلِيَّة، وتوَقَّع أن يقبل إراقة الدماء ولو كان لطفل رضيع، وتوَقَّع أن يقبل إبادة أبرياء لأجل نقطة سائل أسود، وتوَقَّع أن يقبل إزالة موارد الحياة من شعوب لأجل أن يحيى المبيد فقط، وتوَقَّع أن يُعَيِّش الآخرين حياة دون خط الفقر ليهنأ هو في الترف والبذخ والرفاهية ... إلخ.

وفي هذه الحالة أيضاً فهناك لوازم اُخرى تلحق أصولها الذي تأصلت بذلك من قبيل: أن يبدأ الإنسان بسن قوانين على خلاف مقتضيات الطبيعة الوجودية للذات، وأن يبدأ الإنسان بالعمل على تأصيل ما هو على خلاف تلكم المقتضيات في كل فرد من أفراد المجتمع.

وهذا الأمر لا يحدث في حياة الإنسان كما شاهدنا فجأة، بل؛ إنه يحدث من أول بذرة من بذور الجهل بالذات، والجهل بمتطلبات واحتياجات المقتضيات الذاتية للذات، وهذا يبدأ من أولى مراحل التربية في الأسرة، ويتدرج بعد ذلك إلى سلوك اجتماعي، يتعاهده الإنسان بين أفراد المجتمع، فيتماهى معه، وينسجم بعد ذلك تدريجاً لتصبح لديه عادة فردية وإجتماعية إن تركها استوحش، وهي تبدأ في التأصُّل في النفس لتصبح بعد ذلك قانوناً حتمياً، ومن يخرج عنه فقد خرج عن "القطيع".

ومن الطبيعي أن الإنسان الذي يخرج من هكذا بيئة أن يسير في ذات الدرب -ما لم تدركه المعرفة الحقيقة- فيصبح في محل يقرر عن أفراد المجتمعات التي يصبح هو مديرها، فتصبح مصائر الناس بيده، وهذا الذي شاهدناه في التاريخ، حيث نقل لنا القرآن الكريم الكثير من الوقائع التاريخية تحمل مثل هذه الحقائق، وكيف يصبح الإنسان أسيراً لجهله لمعرفة نفسه.

ولكن .. في المقابل .. فإن هناك أصوات حية في نفوس الكثير من الناس، وهي تفقد الإرادة، والقدرة على التعبير، وإذا ما كانت قادرة ومريدة على التعبير فإن هناك موانعاً تمنعها من إبداء رأيها وجهة نظرها فضلاً عن إبداء امتعاضها، ورفضها، واعتراضها، وعدم قبولها.

وهكذا أصوات حسب الظاهر من السلوك الجمعي في مراقبة ودراسة المجتمعات السابقة تجد لها من يسمعها، ويلبي نداءها واستغاثتها، وما كان هذا الملبي والمغيث سوى "خالقها"، وخالق ذلك المتمرد على الوجدان والبديهة العقلية، وعلى الإنسانية.

قال تعالى:" ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى"

ومن هنا تتدخل السماء لإعادة التوازن الطبيعي لذات كل شيء، وإعادة التوازنات وفق ما عليه المقتضيات الطبيعية للذات، ووفق متطلباتها واحتياجها الذاتي الناشئ من طبيعتها التكوينية الوجودية، تتدخل السماء لإعادة بوصلة الذات إلى مسارها الصحيح.

ولأن المسار البشرية يسير بحكم سيره الفردي والاجتماعي بأحكام طبيعية اعتيادية، فإن تدخل السماء يكون أيضاً بمسايرة هذا الوضع، أي من دون تدخل المعجزات في تغيير حال الإنسان.

فيُبعث الأنبياء لإعادة الوجدان إلى مساره، وإعادة البديهة إلى صراطها، وإرجاع الإنسانية إلى طريقها، وهذا يعني أن يسير الأمر بتفعيل تلبية المقتضيات الذاتية للذات، وفق متطلباتها واحتياجها الذاتي، فإذا حصل هذا .. فإنه من الطبيعي أن يحدث التصادم بين ما يطرحه الإنسان المتمرد، وبين ما تطرحه السماء.

فإن ما تحمله مفاده: "لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً"، ففي هذا النص نجد تفعيل دور المقتضيات الطبيعية للذات وفق قواعدها الطبيعية، وبالمقابل فإنك تجد من يقول: "ما أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، وهذا يعني السير على ما يريده المقابل لا ما تريده الذات من متطلبات واحتياجات وفق مقتضياتها الطبيعية التكوينية.

إلا أن هناك أمراً يغفل عنه الإنسان بجهله للحقائق، إنه يتعلق بتركيبة ذرات الوجود بعضها ببعض (التشابك الوجودي) -أشبه بالتشابك الكمي- بين كل شيء في هذا الوجود، وهذا قائم على منظومة دقيقة جداً، وهذه المنظومة قد وضعت كل ما له صلة بتلبية مقتضيات كل شيء على الإطلاق، ومن دون استثناء، وإذا ما خرج أي شيء من صراطها فإن النتيجة التي سوف تلحقه هي: اضطرار  هذه المنظومة لإعادة المسار الطبيعي، وهو يعني معالجة ذلك الخلل، وسد تلك الفجوة التي أحدثها ذلك السلوك الشاذ عن تلك الطبيعية التكوينية التي عليها هذه المنظومة، وهذا يعني أن تقوم المنظومة الوجودية بالعمل على تفعيل برنامج العلاج ومن ثم التعافي من تلك الأزمة التي حدثت.

والله تعالى لا يريد للإنسان أن يُوصل نفسه إلى هذه المستويات التي تتحرك فيها المنظومة الوجودية بقوانينها التكوينية، فيبعث في الأمة خَليفة، يمثله في أرضه وبين عباده، وهو ما عرف في العرف الديني بـ"الرسول"، و"النبي"، و"الوصي"، ليُعَرِّف الإنسانَ نفسه، ويُعَرِّفه بكل ما ينبغي أن يتعرف عليه تحقيقاً لمتطلبات الذات الذاتية، ولاحتياجها الذاتي لها.

وكان من جملة هؤلاء الخلفاء هو: "نبينا الأكرم محمد .، وأهل بيته عليهم السلام، فقد عمل هؤلاء بعمل إستراتيجية دقيق عميق شامل مستدام، فإن رؤيتهم للعالم وما علموا من سابق الدهور من الأحداث وبمآلات السلوك الإنساني الخارج عن مقتضياته، ولمحركات القوانين التكوينية، ولكيفية تفاعل المنظومة الوجودية كان لابد من العمل على ما يمنع من جر السلوك السلبي الخارج عن صراط المقتضيات الذاتية للذات من التعرض لما تعرضت إليه الأمم والشعوب السابقة من الفناء المحتم، فكان ذلك الحدث الأعظم المركب من الفجيعة والفظاعة والشناعة والجريمة العظمى ومن وضع لمسات عدم انجرار الأفراد والمجتمعات وراء ما يفنيهم عن بكرة أبيهم إثر تحرك القانون التكويني الذي يدور في مدار المنظومة الوجودية.

فكان هذا الحدث الكربلائي العاشوري الملحمي مركباً من حدث يدمي العين، ويجرح القلب، ويقرح الفؤاد، ويسيل الدموع ومن صمام أمان لما عليه ذات الإنسان من طبيعة وجودية، ملبياً لمتطلبات الذات واحتياجها الذاتي وفق مقتضياتها التي تحققت فيها في أولى مراحل تكوينها.

فكانت الكلمة المدوية: "هيهات منا الذلة" بمعناها الأعم تأبى الذلة لأي خروج عن صراط المقتضيات الطبيعية للذات -كل ذات-، وضرورة الحفاظ على السير والسلوك في هذا الصراط المستقيم، فكان النبي الخاتم. هو من جاء بالتشريع الذي يوضح حقيقة الذات والمقتضيات التي ترغبها من أعماقها، وترغب في تحقيق متطلباتها واحتياجها الذاتي، فرسم المنهج الأساسي، ومن ثم كلف أهل بيته بالخصوص لتنفيذ هذا المشروع الإلهي وببرنامج يحمل مقومات إستراتيجية عابرة للزمان والنوعي البشري، وقادراً على اختراق كل من يريد اختراقه بأساليب لينة ناعمة بغية عدم استعمال الشدة لإرجاع البشر الذين يخرجون عن صراط تكوينها وعن مقتضيات طبيعتهم إلى مسارهم الفطري السليم، وهذا ما حدث إثر واقعة الطف الفجيعة.

ولكن نعم؛ إذا استمر البعض على العناد التام، وعلى الانصياع لصوت المقتضيات الطبعية، وعلى مخالفة الاحتياج الذاتي للذات، وعلى الجبروت والكبرياء والفرعنة فعندئذ يتحتم استعمال قوة تمحيهم عن وجودهم، وهذا ما سيحصل عند ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

والمطلوب هو أن لا يصبح الإنسان وقوداً في مجتمعه لنار توقدها نفوس تمشي على خلاف المقتضيات الطبيعية للذات -وقد يكون هذا عن غفلة وعن جهل-، ويكون نتيجة عملها كما اتضح وتبين، وهذا كان بإيجاز واختزال شديد، والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله.

 

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.