النهج الحضاري في الملحمة الحسينية
الشيخ علي محمد جواد
لم تكن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) انتفاضة عسكرية طارئة أو صراعاً تمحور حول لغة السلطة، بل تمثّلت كـمشروع حضاري بنيوي أعاد هندسة الضمير الإنساني، وصاغ مرتكزات لنهضة فكرية وقيمية عابرة للتموضعات الجغرافية والزمنية. لقد اجترح الحسين فصلاً فريداً في الفلسفة الأخلاقية؛ حيث نقل الثورة من دائرة الفعل السياسي المحدود إلى أفق العطاء الإنساني الرحب، مكرّساً مبادئ الكرامة كحق أصيل لكل ذات بشرية.
وتتجلى هذه الصيرورة الحضارية في مواقف حية وشواهد عيانية صاغت تفاصيلها أرض الطف:
- تأصيل الكرامة ونبض الانعتاق: تقوم الحواضر الإنسانية على ركيزة صون الحقوق ورفض الاستلاب. وقد بلور الإمام هذا المفهوم في ذروة الحصار الوجودي بشاهد صاعق غدا معياراً كونياً لصناعة الأحرار، حيث هتف: "ألا وإنَّ الدَّعيَّ ابنَ الدَّعيِّ قد رَكزَ بينَ اثنتينِ، بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهاتَ منَّا الذِّلَّة".
- السيادة الوعظية وتكريس الاختيار الواعي: تأنف الرؤية الحسينية من منطق الإكراه أو التعبئة العمياء. ومن أسمى تجليات البُعد الحضاري منحه أتباعه سعة الخيار وحرية القرار في اللحظات الحرجة، معلناً لهم في ليلة العاشر: "هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً... فإن القوم إنما يطلبونني"، لتنبثق تضحياتهم عن وعي محض وإرادة حرة غير مسلوبة.
- البوصلة الإصلاحية والتقويم الهيكلي: لا يستقيم عمران أو تنهض أمة في مناخات العبث والفساد الإداري والأخلاقي، لذا حدد الإمام منطلق حركته الحضارية ببيان صارم حدد غاياته العليا: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي".
- السامية الأخلاقية وفلسفة التسامح الفوري: تتكشف معادن القادة في أتُون النزاعات وعبر كبح جماح الغريزة الانتقامية. لقد جسد الحسين مفهوم "الرحمة الكونية" حين التقى بجيش الحر بن يزيد الرياحي وهم في رمق العطش الأخير، فأمر أصحابه: "اسقوا القوم وارووا الخيل"، مرسياً قانوناً أخلاقياً يسبق مواثيق الحروب الحديثة، ليعقبه برفض المبادرة بالعدوان قائلاً: "إني أكره أن أبدأهم بقتال".
وفي مشهد يختزل النضج الأخلاقي وتجاوز العُقد النفسية، رحّب الحسين بالقائد "الحر بن يزيد الرياحي" حينما عاد تائباً يوم العاشر. فلم يوبخه ولم يذكّره بجناية حصاره، بل قَبِله بوجه متهلل وبثّ في روحه الطمأنينة قائلاً: "نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك".
- الاندماج الإنساني وتذويب التمايزات العرقية: صهر معسكر كربلاء الفوارق الطبقية والطبائع القومية ليقدم نموذجاً للمجتمع الإنساني المتكامل، حيث تآخى الهاشمي، والعربي، والأعجمي، والمسيحي. وفي توثيق عملي لهذه المساواة، وقف الإمام على جسد "جون" (المولى الأسود) واضعاً خده على خده -تماماً كما فعل مع ولده علي الأكبر- داعياً له: "اللهم بيّض وجهه، وطيّب ريحه".
- قدسية الحق العام والعدالة المالية: من فرط الالتزام بالبناء القيمي والحقوق المتبادلة بين البشر، أوعز الإمام الحسين برفع نداء صارم في صبيحة المعركة: "لا يقاتلنّ معي رجل عليه دَين"، عازلاً مسار الجهاد والتضحية عن أي شائبة تفرّط بحقوق العباد وأموالهم.
ختاماً، إن الإمام الحسين لم يشيّد معالم حضارته بالحجر، بل بالقيم الإنسانية المطلقة التي لا تبلى، فغدت ثورته ملهماً كونياً وفكراً متجدداً ينهل منه مصلحو الأرض على اختلاف مشاربهم. وكما استقرأ هذه العظمة الزعيم الهندي غاندي بقوله: "تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر".