عاشوراء قيم حق لا تموت
الشيخ الدكتور علي حسن خميس اللواتي
موقف علي و حسين الزمان..
تطل علينا عاشوراء هذا العام ونحن أحوج ما نكون أن نستلهم من ذكراها قبسا من وعي ومن رسالتها نورا من هدى، والأمة تعيش في مرحلة تذكرنا في بعض ملامحها بما جرى على أرض كربلاء سنة 61 للهجرة النبوية من خذلان للحق وأهله من قبل قطاع واسع من الأمة ورضيت أمة ذلك العصر بما جرى لسبط الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأصحابه، شاهدت الحسين عليه السلام يخرج قسرا من "يثرب" مدينة جده وهو ابنها الذي ابصر النور على ثراها، ودرج بين أحضان جده رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان الصحابة الكرام يشاهدون ربيب النبوة وحبيبها وسيد شباب أهل الجنة وزعيمها في مسجد النبي صلى الله عليه وآله فيعظمونه ويكرمونه، ولكن تلاشى ذلك التعظيم عند أول إختبار فصمتت المدينة بمن فيها وتخلت عنه وهو ينقل خطوات نهضته وينجلي عن المدينة موقنا يترقب، وأبصرته مكة وأهلها وحجاجها يمنع من أداء فريضة الحج وهو ابن الركن والمقام ووريث أجداده إبراهيم وإسماعيل وقصي وشيبة الحمد فواصلت أداء مناسك حجها ولم تكترث للتهديد الذي يلاحق الامام السبط عليه السلام وانتهي ذلك المشهد التراجيدي بمأساة كان القتل لأقدس شخصية في الإسلام يوم ذاك فصلا من فصول نهاياتها بل بدايات إستحقاق غضب الله ورسوله ص وما تلا ذلك مشاهد لا تقل فظاعة عن منظر زهق الأرواح والدماء تمثل في رض أجساد الشهداء وأسر الثقل الآخر وبقايا النبوة وعقائل الوحي بين البلدان، والأمة في صمت الخذلان وسبات اللامبالاة كالبهيمة المربوطة همها علفها وشغلها تقممها، مثل هذا الصور نراها بصورة أفظع وأكثر مأساوية على أرض غزة هذه الأيام، حيث قتلت الأسر ودفنت تحت الأنقاض وسحق الأطفال والعجزة وهدمت المباني على رؤوس السكان ودمرت المستشفيات على أجساد المرضى وملائكة الرحمة، ولم يسلم الصحفيون والإعلاميون، وذات الصمت والخذلان يتكرّر في كل عصر وزمان، ولنا أن نتساءل لو كان علي أو الحسين عليهما السلام موجودان في هذا الزمان، ماذا سيكون موقفهما ؟
هل سيلوذ علي بالصمت وهو القائل في ذم التخاذل وترك الجهاد " أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشملة البلاء، وديث بالصغار والقماءة وضرب على قلبه بالأسداد وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف. ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقد قتل حسان ابن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم ولا أريق لهم دم. فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا. فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من إجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون"
وخلاصة كلامه عليه السلام بيان لنتيجة ترك الجهاد والتخلي عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في إستباحة المقدسات وزهق الأرواح وهتك الحرمات، وواقع الحال انه يجمع المسلمون في كل عصر أن الجهاد واجب عندهم وهو من ضروريات الدين كالصلاة والصوم والحج وهو ذروة سنام الإسلام والباب الذي فتحه الله لخاصة اوليائه وهو عمود خيمة الإسلام ولولا الجهاد لما قام للاسلام عمود ولا اخضر له عود، ومع ذلك بات المسلمون يشاهدون أعدائهم يسلبونهم مقدراتهم ويعبثون في دينهم ودنياهم معا، ويستبيحون بلادهم ومقدساتهم بل ويغيرون معتقداتهم ويحذفون أيات القرآن من منهج دراسة ابناءهم ، ويبشرون بل وينشرون الالحاد والشذوذ، وينفردون بهم فرقا وقبائل ودول ويغذون فيهم الفرقة عبر إثارة القوميات والعنصريات والطائفيات، ومع ذلك هم يسيرون مع الجلاد كيفما اراد، حتى وصل الامر للقبول بتغيير الدين، كما فعلت أمة عصر الحسين ع، التي اثرت ان تصطف مع الجلاد او إختار فريق منها ان يلوذ بالصمت والسكوت، سوى الثلة القليلة التي رافقت الامام عليه السلام في ركب النور الى معراج الشهادة.
عاشوراء "الزمان والمكان" مرتكز في خريطة الإصلاح المهدوي
وإنطلاقا مما تشكله عاشوراء من نقطة فارقة في صراع الحق والباطل ومعركة الوعي والكرامة فقد عدت النصوص فترة خروج الحسين عليه السلام من المدينة وعاشوراء ومحرم الحرام في نهضتها الإصلاحية الجهادية معلما زمانيا ومكانيا في خريطة حركة الوعد الإلهي لدولة الحق والعدالة في آخر الزمان، ذات المواعيد والمواقع الذي سوف يمارس فيه الامام القائم -عجل الله فرجه الشريف- التحضير الأخير لنهضته ومشروعه الإلهي لتحرير العالم، فيعلن عن ظهوره في المدينة في شهر رجب كما أعلن الحسين إنطلاق معارضته من المدينة ويعلن القائم – عجل الله فرجه الشريف- عن بدء حركته في العاشر من محرم في مكة.
ومن شعارات القائم التي يرفعها والتي تعيد الى الآذهان نهضة عاشوراء ، وتبين الارتباط العضوي والشديد بين عاشوراء وقيام القائم – عجل الله تعالى فرجه - شعار "يا لثارات الحسين " الذي من دلالاته تأكيد مسؤولية المؤمن عن مظاهر الفساد في المجتمع الإنساني وموقعه في المواجهة والصراع بين الحق والباطل، ولذلك لا يسوغ للمؤمن الا ان تكون هناك مساحة واضحة وفاصلة بينه وبين الفساد والمفسدين في الأرض، على ان أخذ الثأر له عليه السلام لا يتحقق بالضرورة بالقصاص والقتل الانتقامي وسفك الدماء كما صنع القاتل والقتلة كما قد يبدو لنا في المخيلة الشعبية وانما بتطهير الأرض من الفساد وبذر بذور الخير والهدى في واقع المجتمع الإنساني، فالحسين الذي ينتمي اليه الكثيرون من عشاق الحق استشهد دفاعا عن الحرية ومباديء الحق والعدالة فقال مقولته : "الا ترون الى الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهي عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا" وتأسيسا على هذا ما يجب ان ننشده في واقعنا؛ هو ان ننظر الى الحق والإصلاح وننتمي اليه فكرا وسلوكا وممارسة في قبال حركة الإفساد وإشاعة الباطل في مختلف المجتمعات، كل ذلك من خلال التأمل والتحليل لتضحية الحسين ع ، وبمقدار قربنا ودفاعنا عن مباديء الحق ونصرة المظلومين ومقاومة مظاهر الفساد في المجتمع بمقدار ما نقترب من الحسين عليه السلام.
نحن والحسين في رحاب أداء التكليف الشرعي .. المنطلقات والغايات
لقد أوضح سيد الشهداء ع عبر سيرته ومسيرته الجهادية انها حركة في سبيل الله وعباده وهدفه تحصيل مرضاة الله وصلاح المجتمع لذا جاء في وصيته لأخيه محمد المعروف بابن الحنفية " وإني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي اريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر" وقال في موضع آخر"واسير بسيرة جدي وأبي" وماذا قال ابوه " اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك" وعلى نهج الأمير ع سار ولده الحسين ع فهذه منطلقاته وغاياته، واذا اردنا ان نسأل انفسنا كيف سبيلنا الى الاهتداء والاقتداء بمنهجه ع في أداء ما علينا من تكيف ومسؤلية شرعية في هذه الحياة تجاه واقعنا ومجتمعنا والانسانية؟ الجواب هو ان نحمل في قلوبنا مباديء القرآن والهدى وان نجذرها في واقعنا وسلوكنا ما استطعنا لذلك سبيلا، فلا نقبل بالظلم ولا الفساد ونتصدى لذلك بحمل رسالة التغيير والإصلاح إنطلاقا من مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح الذي يقتضي من المؤمن ان يوظف كل أدوات النقد الإيجابي والتوعية بالحكمة لايصال صوت الإصلاح الذي انطلق من كربلا الى كل العالم وبقي منهج الإصلاح الحسيني يلهم المغيرين ودعاة الإصلاح بصوت المظلومية تارة ورفع صوت القيم والمباديء العادلة والحقة تارة أخرى.
ولذلك انبرى الكثيرون للتعلم من منهج الحسين في حركة التحرر من الاستعمار والظلم والمواجهة مع الأثرة والاستبداد، والهمت الطف بسماواتها المتوهجة بشعاع من القيم النبيلة مسيرة الإنسانية نحو الحرية وإستعادة الحقوق والكرامة، وجدير بجيل اليوم ان يحق في السموات الافتراضية وبكل لغات الابداع في العالم، ليوصل صوت الحسين ع عبر الكلمة والصورة ، وان نعيش المسؤلية تجاه إصلاح وإنقاذ مجتمعاتنا والانسانية مما يريد الشر ان يلقيها فيه من مهاوي الانحدار القيمي ودركات السقوط الأخلاقي، وان نعيد إنتاج قيم عاشوراء بطريقة تناسب المخاطب في ذهنيته وعقليته مع مراعاة البيئة والخلفية فما يناسب مجتمعاتنا قد لا يناسب مجتمعات أخرى، وتبقى الحكمة والموعظة الحسنة غلافا لكل هدية يقدمها المسلم للآخر، وان نستفيد من عالم الاتصال والتواصل والفضاء الافتراضي في دعم وتأسيس مبادرات تعرف بالنهضة الحسينية وتاريخها وقيمها ومبائها ودروسها، ولعل مما يقتضي الإشادة والذكر، جهود العتبة الحسينية في هذا السبيل، ومن ذلك :
1- تضمين موقع العتبة موسوعة حسينية تحوي مئات بل الآف المقالات والمداخل حول تاريخ كربلاء والحائر الحسيني في القديم والحديث وأسئلة حول النهضة الحسينية وابعادها، وواقعة الطف ، وكربلاء في الشعر الأممي والعالمي، والشخصيات التي عاشت في كربلاء قديما وحديثا، والرحالة والمستشرقون في كربلاء، ومواضيع أخرى عديدة.
2- نافذة رقمية للوسائط المتعددة تتضمن مكتبة رقمية ومعرض رقمي ومعرض للصور والفيديوهات وإصدرات العتبة ومكتبة رقمية ووصلة للزيارة الافتراضية.
3- تأسيس الجامعات والمراكز البحثية والمعاهد التعليمية مثل جامعة وارث الأنبياء ومعهد وارث الأنبياء ومؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية(https://www.warithanbia.com/)، الذي يتولى طباعة بحوث تخصصية وإصدارات متخصصة حول نهضة الامام الحسين ع ولدية مئات المنشورات الورقية والافتراضية، ولديه قسم يعنى ببحوث النهضة الحسينية ، وقسم آخر يعنى بأطاريح الماجستير والدكتوراه حول الامام الحسين ع ونهضته، وقسم.
4- النشر العلمي وتأسيس المجلات البحثية المحكمة والثقافية وغيرها، لمختلف فئات القراء والتوسع في نشرها ورقيا وإفتراضيا. منها مجلة الإصلاح الحسيني التي تصدرها مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية.
5- تنظيم المؤتمرات والندوات والورش حول القضية الحسينية ، منها الامام الحسين والاستشراق، والمؤتمر العلمي الدولي "لامام الحسين ع وريث الأنبياء وسليل الاوصياء" وهو مؤتمر سنوي يعقد في أيام ولادة الامام ‘، والمؤتمر النسوي الدولي وغيرها.
6- مركز الرصد الحسيني وهو قسم يتبع ذات المؤسسة ويعني بكل ما يتصل بالقضية الحسينية في الاعلام المحلي والعالمي.
هذه نماذج من الجهود التي تبذل لاحياء ذكرى عاشوراء بأطر وأساليب معاصرة تتكامل مع شعائرنا الحسينية القائمة بالفعل التي خلدت نهضة الحسين ع عبر الزمن. فسلام على الحسين ع يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.