صاحب الجراب .. الوجه الاجتماعي للإمام زين العابدين عليه السلام                ثمار الثورة الحسينية               الإمام الحسين عليه السّلام صمام الأمان في المنظومة الوجوديّة                زينب عليها السّلام: سيرةٌ من نورٍ ودروسٌ خالدة               النهضة الحسينية مشروع إصلاحي متكامل                عاشوراء قيم حق لا تموت                لباس التقوى                عاشوراء .. سرّ الخلود وتجدد الحضور في الوجدان الإسلامي               قراءة في شعار موسم عاشوراء               النهج الحضاري في الملحمة الحسينية               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
266589
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات عامة
 
 
صاحب الجراب .. الوجه الاجتماعي للإمام زين العابدين عليه السلام
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/06/25 - [المشاهدات : 90]
 

 صاحب الجراب

الوجه الاجتماعي للإمام زين العابدين عليه السلام

الشيخ حسن عبد الله العجمي

بعد مأساة كربلاء سنة إحدى وستين للهجرة، خرج الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام من تحتِ ركام الفجيعة، فدخل مجتمعًا نخرته السياسة الأمويّة، وانتشر فيه التَّرف والانحلال، وألف الناس أن يسبَ آل النبيّ على المنابر، كان في وسعه - وهو المطارد والمراقَب- أن ينزوي في بيته ويسلم المجتمع لمصيره، لكنّه آثر أن يبقى في قلب المدينة، لأنّ الخروج من الساحة إخلاء لها للظالمين، فاختار سلاح الأخلاق والصدقة والدّعاء، وحوّل نفسه إلى مؤسّسة رحمة تداوي ما أَحدثه السيف في النفوس.

ومن هنا بدأت قصّة الجراب، كان الإمام يخرج في جوف الليل الحالك، حاملًا على كتفيه جرابًا ضخمًا يحوي الدراهم وأرغفة الخبزِ وحزم الحطب، فيطوف على بيوت الفقراء والأرامل، يدُسُّ العطاء تحت الأبواب، ويختفي قبل أن يستيقظ النّيام، وكان إذا ناول أحدًا شيئًا غطَى وجهه خشية أن يعرف، فأَلف المساكين هذا الزائر المجهول، حتّى كانوا يقفون على أبوابهم في آخرِ الليل، فإذا لاح لهم خياله تباشروا وقالوا: "جاء صاحب الجراب". وما علموا أنّه ابن بنت رسول الله، يحمل زادهم على ظهر حمل أثقل منه يوم الطفّ.

ومن أبلغ ما يدلّ على عمق هذا الكِتمان، أنّ ابن عمّ له كان يتلقّى منه ليلًا صرّة من الدّراهم، والإمام متلثّم لا يعرفه الرجل، فكان يتناول الإمام أمامه وهو لا يدري أنّه هو، ويقول: "إنّ علي بن الحسين لا يصلني!"، فيسمع الإمام ذلك ويغضي عنه، إيثارًا لأجر الكتمان على لذّة تبرئة الذّمة، فلمّا قُبض الإمام، انقطعت الصّلة، فأدرك الرّجل من كان يصله، فجعل يأتي قبره باكيًا معتذرًا، وحين غسَّلوه بعد موته، رأَوا على ظهره الشريف آثارًا سوداء حسبوها أوّل الأمر من السياط، ثم تبيّن أنّها من أثر حمل الجراب إلى بيوت الفقراء ليلًا.

ولم يكنِ الإمامُ ممّن يلقي الصدقة كما يلقى الفتات للجائعين، فقد أَدرك ببصيرته العميقة أنّ في طيّات العطاء جرحًا خفيًّا قد يصيب كرامة الآخذ، فابتكر منهجًا ينقذ الفقير من ذُلّ السؤالِ قبل أن يُنقذه من ذُلّ الجوع، كان إذا أعطى سائلًا قبَل يده، حتّى لا يرى في نفسه أثر المذلّة، وإذا أقبل عليه فقير رحّب به قائلًا: "مرحبًا بمن يحمل زادي إلى دار الآخرة"، فجعل من الفقير شريكًا في تجارته مع الله، لا متفضّلًا عليه بكرم السّادة، وكان يكره أنْ يُحصد نخيله ليلًا، لأنّ الفقراء لا يحضرون في الليل فيُحرمون من حقّهم في يوم الحصاد، فكان يحمل الطعام والحطب على ظهره بنفسه إلى بيوت المحتاجين، ويدعو اليتامى والعُمْيَ والمُقعَدين إلى مائدته، فيُلقِمُهم بيده كأنّهم أبناؤه.

وقال يومًا لمولاته "سكينة" في فجرِ جمعة: "لا يعبُر على بابي سائلٌ إلّا أطعمتموه"، فقيل له: "ليس كلّ من يسأل مستحقًّا!"، فأجاب بحكمته النبويّة: "أخاف أنْ يكون بعضُهم مستحقًّا فنردّه، فينزل بنا ما نزل بيعقوب وآله"، وفي ذلك تتجلّى فلسفته الاجتماعيّة: ليس مدارُ الأمر على استحقاقِ السائل، بل على عجزنا عن تمييزِ المستحقّ، فأَمانُ المجتمع في ألّا يُردّ سائلٌ.

ولم يكن جهاده الاجتماعيّ مقصورًا على الفقراء، بل امتدَّ إلى أعمق جروح ذلك العصر: مشكلة الرقّ، فقد كان نظام العبوديّة في زمانه ظاهرةً اجتماعيّةً واسعة، فاتّخذ منها الإمام ميدانًا بارزًا، يشتري العبيد والإماء من غير حاجة إليهم، فيُحسن إليهم، ويعلّمهم، ويحفّظهم القرآن، ثمّ يعتقهم قبل أنْ يحُول عليهم الحول، فيخرجون من بيته مؤمنين صالحين مهيّئين للحياة، وقد قُدّر عدد من أعتقهم بالمئات، بل بالألوف، فصاروا قاعدةً واسعةً تنشر تعاليم أهل البيت في الأمصار.

ومن أشهرِ ما يروى في رفقه بهم، أنّ جاريةً له كانت تسكب عليه الماء ليتوضّأ، فسقط الإبريقُ من يدها على وجهه فشجّه، فرفع إليها رأسه، فقالت على الفور: «إنّ الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾»، فقال: «قد كظمت غيظي»، قالت: «﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾»، قال: «قد عفوت عنك». قالت: «﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾»، فقال: «اذهبي فأنتِ حرّة لوجه الله».

ولم يكتف الإمام بهذه المواقف التطبيقيّة، بل ترك للأمّة وثيقةً عجيبةً هي رسالة الحقوق، عدّ فيها واحدًا وخمسين حقًّا تنظم علاقات الإنسان كلّها: حقُ الله، وحقّ النّفس، وحقّ الوالدين، وحقّ الجار، وحقّ الصاحب، وحقّ المملوك، وحقّ السّائلِ والمسؤول، وحقّ من ساءك، وحقّ من سرّك، وحقّ أهل الذمّة، يتأسّس في هذه الرسالة مجتمع تعاقُدي أخلاقيّ، لكلّ علاقة فيه ميزانها، ولكلّ ميزان حدوده، حتّى لتكاد تسبق بأكثر من ألف سنة كثيرًا من المواثيقِ الحديثة لحقوق الإنسان.

تلك - في إيجاز - صورة من السيرة الاجتماعيّة لرجل علّم الأمّة أنّ العبادة ليست انعزالًا، والزهد ليس انكفاء، والورع ليس صمتًا، كان سجّادًا في الليل، لكنّه كان جرّابًا للناس، كان يبكي من خشية الله حتّى يغشى عليه، لكنّه كان يبتسم في وجه السائل ليُذهب عن قلبه ذلّ الحاجة.

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.