قراءة في شعار موسم عاشوراء
"أشهد أن دمك سكن في الخلد"
الشيخ حسن عبد الله العجمي
في كلّ عام يطل علينا موسم عاشوراء بشعارٍ يفتح أبواباً جديدةً لفهم الملحمة الحسينية الخالدة، وقد جاء شعار هذا العام "1448هـ" مقتطفًا من زيارة شريفة علّمها الإمام الصَّادق عليه السلام لأحد أصحابه، جاء فيها: "أَشهد أَن دمك سكن في الخلد، واقْشَعرَّت له أظلّة العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السَّماوات السَّبع والأَرضون السبع وما فيهن وما بينهن".
عبارة قصيرة في لفظها، عميقة في معناها، تستدعي منا وقفة متأنية، فالشهادة تؤكّد حقيقة غيبية ثابتة، وهي أنّ الدّم الشريف استقرّ ونزل منزلًا في دار الخلود الأبديَّة.
ولقد توقف العلماء "ومنهم الشيخ الوحيد الخراساني، والسيد منير الخباز" عند قول الإمام الصادق عليه السلام : "أشهد أنّ دمك سكن في الخلد"، وفهموه على أوجه كلّ وجه منها بحر لا يُسبر:
١- حمل الكلام على حقيقته، والمعنى إنّ الدم الشَّريف سكن فعلًا عالم الخلد، والخلد موضع التجرّد، فالأصل أنْ تعرج إليه الأرواح لا الأجساد والدّماء، فأن تَنقلب الحال ويصير الخلد مسكنًا للدَّم، فذلك يكشف عن مقام سام فوق إدراك العقول؛ لقد بلغ الحسين من المنزلة موضعا لا يسع الخلد معه إلَّا أنْ يكون مسكنًا لدمه الطاهر.
٢- أنّ الدّم هنا بمعنى النَّفس، فالنّفس في عرف اللغة والفقه تطلق على ""الدَّم"، يُقال: "ما له نفس سائلة" فيكون المعنى على هذا الوجه أنّ النفس الشريفة لأبي عبد الله عليه السلام هي التي سكنت عالم الخلد، تعبيرًا عن خلود روحه وعلوِّ مقامها.
٣- حمله على الكناية والمجاز، ولها معنيان لطيفان: كناية عن خلود الثَّأر؛ فقضية الحسين قضية إلهيّة لا تموت ولا تنسى، ودمه ينبض في كلّ أحرار الأرض إلى يوم القيامة، وكناية عن عظمة المصيبة؛ فقد بلغت من العظمة مبلغًا لا يمكن الغفلة عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "إنَّ لقتل الحسين حرارة في قُلوب المؤمنين لا تبرد أبداً".
٤- ثمَّ يفتح علينا العرفاء بابًا آخر، فيذكروننا بمبدأ تجسم الأعمال يوم القيامة، وعلى هذا المبدأ يتجسد دم الحسين عليه السلام في الخلد نورًا وعطرًا، يراه الأنبياء والأوصياء والأولياء، يتلألأ ويشعشع في الجنان، فيبادر إليه أهل السَّماء يتطيبون به ويتعطرون منه؛ لأنَّه قد صار مصدر الطيب والنُّور والبهاء في عالم الآخرة.
٥- وقد يكون المعنى أنَّ الدَّم الذي سال على ثرى كربلاء لم يسل على أرض كسائر الأرض، بل سال على بقعة هي في حقيقتها الغيبيَّة قطعة من جنَّة الخلد، فلمَّا اختلط الدَّم الطاهر بترابِها، صدق القول بأنَّه "سكن في الخلد" حقيقة لا مجازا، وفي هذا تأكيد على قدسية المكان الذي تزوره الملايين كلَّ عام، وعلى أنَّ زيارة كربلاء ليست زيارة قبر فحسب، بل زيارة بقعة من الجنَّة استقرَّ فيها أشرف دم في الوجود.
ماذا يعني هذا الشعار لنا اليوم؟
إذا كان دم الحسين قد سكن في الخلد، فإنّ السؤال الذي ينبغي أنْ نطرحه على أنفسنا في هذا الموسم: ما الذي ينبغي أن يسكن في قلوبنا من قيم هذا الدَّم؟
إنّ المؤمن الذي يشهد بأنّ دم الحسين سكن في الخلد، إنّما يشهد – في الحقيقة – بأن مبادئ الحسين خالدة كخلود ذلك الدّم: العزة التي لا تنحني، والكرامة التي لا تساوم، والأمر بالمعروف الذي لا يخشى لومة لائم، ورفض البيعة لكلّ طاغية وظالم في كلّ زمان، هذه القيم هي السكنى الحقيقيّة التي ينبغي أن يأوي إليها قلب كلّ مؤمنٍ في عاشوراء.
السَّلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواحِ التي حلَّت بفنائك عليك منّي سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار.