الرّزق والإنفاق
الشيخ الدكتور إحسان صادق اللواتي
المصدر كتاب "إشكاليّة الرّزق"
(قل إنّ ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويَقْدر له، وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه، وهو خير الرازقين) (سورة سبأ، الآية: 39).
جاءت الآية المباركة في سياق الرد القرآني على دعوى واجهها الأنبياء والمصلحون دومًا، وهي التي تحدثت عنها الآيتان: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا بما أُرسلتم به كافرون، وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا، وما نحن بمعذّبين). (سورة سبأ، الآيتان: 34 -35).
ما يعنينا من هذه الدعوى الآن هو ما ورد في المقطع الأخير، من أنهم كانوا يرون أنّ كثرة أموالهم وأولادهم وقوّتهم المادية هي دليل على أنهم مقرّبون إلى الله تعالى ومحبوبون عنده؛ لذا فهو لن يعذبهم. وجاء الرد القرآني – ومنه الآية التي هي محل كلامنا – لبيان أنّ الرزق هو من الله سبحانه، وهو وفق مصالح يراها هو، وليست زيادة الرزق دليلًا على القرب منه، مثلما ليست نقيصته دليلًا على البعد عنه.
هكذا، إذن، تطلب الآية من رسول الله (ص) أن يجيب بأنّ قضية الرزق مرجعها إلى رب العباد، فهو "يبسط الرزق" – بمعنى يوسّعه ويمدّه – لمن يشاء من العباد، و"يَقْدر له" بمعنى يضيّق، ولا علاقة للسعة والضيق بجانبي القرب والبعد الإلهيين.
ثم تتحدث الآية عن أنّ الله سبحانه يُخلف – أي يعوّض ويبدّل – كل شيء يُنفَق في سبيله، وتُختتم بأنه ﴿هو خير الرازقين﴾ وقد ذكر المفسرون وجوهًا لكونه – جلّ وعلا – خير الرازقين، فمنها الوجهان اللذان ذكرهما صاحب الميزان: (الميزان في تفسير القرآن، 16: 385).
أ- الله سبحانه هو الرازق الحقيقي، وليس غيره سوى سبب لوصول رزقه إلينا، فكل مَن سواه ليس إلا رازقًا في الصورة فحسب.
هذا الوجه نقله الآلوسي (روح المعاني، 22/ 443)، وبيّن أنّ بعضهم أشكل عليه بوجود صيغة أفعل التفضيل في الآية: (خير الرازقين)، فهذه الصيغة تقتضي أن يكون الآخرون مشتركين مع الله في وصف كونهم رازقين حقيقةً لا صورةً، وإلا لما صح أن يقال: إنّ الله هو خير الرازقين، إذا لم يكن الآخرون رازقين حقيقيين أيضًا كالله سبحانه. ثم نقل الآلوسي عن الآمدي جوابه عن الإشكال بأنّ المعنى: الله خير من تسمّى بها الاسم وأُطلق عليه حقيقةً أو مجازًا، وهو ضرب من عموم المجاز. وبناءً على هذا الجواب يصح استعمال أفعل التفضيل حتى مع كون غير الله خالقًا مجازيًا صوريًا.
ب- رزقه (سبحانه وتعالى) هو من غير انتظار فائدة تعود عليه، بخلاف رزق الآخرين لغيرهم، فهو يكون عادةً انتظارًا لفائدة راجعة إليهم، ولو كانت أخروية.
- رزقه هو الرزق الباقي الدائم، في مقابل رزق غيره الذي لا يكون إلا فانيًا مؤقتًا.
- إنه يرزق الكثير (الأضعاف المضاعفة)، في مقابل العمل القليل المحدود من طاعات عباده.
- يعلم ما يعطي ولأي حد وبأي قدر؛ حتى لا يكون عطاؤه موجبًا للفساد.
- يعطي أي شيء يريده؛ لأنه قادر.
ولنا، بعد ما تقدم، مع الآية الشريفة وقفات:
الوقفة الأولى:
الإنسان المؤمن مطالب بأن يقوّي ثقته بأنّ الله تعالى لا يريد له إلا ما فيه مصلحته، ولا يكتب له إلا ما فيه له خير، وهذه حقيقة عامة شاملة ليست قضية الرزق مستثناة منها، فالله سبحانه يرزق عبده المؤمن حين يكون هذا الرزق خيرًا له ويمنعه إياه عندما يكون وبالًا عليه، وهو – جلّت عظمته – أعلم بعباده وما يصلحهم، فما عليهم إلا أن يسلّموا الأمر إليه، ويوثقوا في قلوبهم الطمأنينة إلى اختياره والرضا بقضائه وقدره، ففي هذا خيرهم وفلاحهم.
الوقفة الثانية:
من المتوقع المنتظر دومًا من الماديين وعبدة الدنيا أن تكون مقاييسهم في تقدير الناس من حولهم مقاييسَ ماديةً؛ فالإنسان في أنظارهم تعلو درجته كلما ازدادت أمواله، وتسمو مكانته بارتفاع منصبه ومقامه الاجتماعي وتكثّر أولاده وعشيرته، وهذا المنطق هو الذي سبقت الإشارة إليه مما نقله القرآن الكريم من كلامهم: (وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا).
ولئن كان هذا متوقعًا غير مستغرب من أولئك الذين لم يؤمنوا بالآخرة، وظلت الدنيا محور تفكيرهم وغاية اهتمامهم، فإنّ من العُجاب حقًا أن تكون هذه المقاييس المادية هي التي تحكم كثيرًا من المؤمنين أيضًا! فتراهم يزدحمون في أفراح الأغنياء وأتراحهم، ويتبارون ويتسابقون في إبداء الاحترام لهم والإتيان بكل ما يتطلبه التقرب إليهم. وهذا بخلاف تعاملهم مع الفقراء ومتوسطي الحال، فهنا يبرز الفتور في التعامل والبرود في الاحترام. كل هذا لمجرد فقر هؤلاء وغنى أولئك، ليس غير. وهي الحالة التي حذّرتنا منها النصوص الشرعية، فعن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال: "من لقي فقيرًا مسلمًا فسلّم عليه خلاف سلامه على الأغنياء، لقي الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان". (عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، 2: 52).
إنّ الإسلام يقرر، في وضوح لا يقبل أي شك، أنّ الكرامة عند ربنا ليست بأموالنا وأولادنا ومناصبنا ودرجة تزوّدنا بمظاهر هذه الحياة الدنيا، بل هي في مدى قربنا من ربنا – سبحانه وتعالى – ودرجة تقوانا: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم). (سورة الحجرات، الآية: 13). وإذا كان هذا هكذا، فإنّ الغنى والفقر لا يقاسان، في المنظور الإلهي، بالمقاييس المادية الدنيوية، بل مقياسهما هو الدين والصلاح، فقد روي عن النبي الأكرم محمد (ص) أنه قال: "الفقر الموت الأحمر، فقيل له: الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال: لا، ولكن من الدين" (بحار الأنوار، 65: 216).
الوقفة الثالثة:
تدلّ الآية الكريمة على السبب الرئيس الكامن وراء عدم إقبال نفوس كثير من الناس على الإنفاق في سبيل الله تعالى، وميلها إلى البخل أو التردد في العطاء حينما يكون المطلوب منها أن تعطي وتمنح، لا سيما فيما هو واجب عليها بحكم الشرع. هذا السبب الرئيس هو عدم الإيمان الحقيقي العميق بحقيقة مهمة مفادها: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه).
الوقفة الأخيرة:
يمكن للمرء أن يستفيد من إلحاح القرآن الكريم على وصف الله تعالى بأنه ﴿خير الرازقين﴾ التذكير بضرورة أن يكون رزقنا للآخرين ممن هم تحت أيدينا بالنحو الذي هو "خير"، أي بلا منّة، ودون بخل أن تقصير، وـأيضًا بلا تدقيق دقيق لا يعطي معه المرء إلا عطاءً محدودًا ومحسوبًا بكل عناية، فلا يعطي أحد الزوجين الآخرَ، مثلًا، إلا بقدر عطاء الآخر له، وكأنه يحذوه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، كما يقال.
إنّ الشخصية المؤمنة تطمح دومًا إذا أعطت أن يكون عطاؤها خير عطاء، لا سيما حينما تتعلق القضية بالأهلين والأقربين، فإذ ذاك تصبح أهم وأدعى إلى العناية بها، فعن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: "من حسن برّه أهلَ بيته، زيد في رزقه". (ميزان الحكمة 4: 117).
أما إذا صارت القضية أن نعطي بقدر ما نُعطاه، وأن نتسبب في رزق الآخرين فقط في الحدود التي يتسببون في رزقنا، دونما رغبة في أن نزيد أو أن نُحسّن الطريقة والكيفية، فهذا معناه تحوّل الحياة إلى رتابة محضة، والقضاء على الدفء الوجداني الذي تحتاج إليه العلائق الاجتماعية والروابط الإنسانية كيما تظل محققةً لهذا الإنسان الاستقرار النفسي والراحة الروحية التي لا يستغني عنها أي بشر.