الرّزق والإنفاق                كيف تربح في سوق الدّنيا؟                البرنامج المحمدي للبشريّة وامتيازه المطلق                من عاشوراء إلى الأربعين: قراءة في العلاقة بين الشّهادة والذّكرى                صاحب الجراب .. الوجه الاجتماعي للإمام زين العابدين عليه السلام                ثمار الثورة الحسينية               الإمام الحسين عليه السّلام صمام الأمان في المنظومة الوجوديّة                زينب عليها السّلام: سيرةٌ من نورٍ ودروسٌ خالدة               النهضة الحسينية مشروع إصلاحي متكامل                عاشوراء قيم حق لا تموت               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
272109
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات أخلاقية
 
 
كيف تربح في سوق الدّنيا؟
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/08/15 - [المشاهدات : 22]
 

كيف تربح في سوق الدّنيا؟

الشيخ حسن عبد الله علي العجمي

المصدر كتاب "مفاتيح الكمال" الجزء الأوّل

قال الإمام علي الهادي عليه السلام: «الدّنيا سوقٌ ربح فيها قومٌ وخسر آخرون» (بحار الأنوار ج 75، ص 366).

هذا القول للإمام الهادي عليه السلام رغم قصره، يطرح تصوّرًا متكاملًا لطبيعة الحياة الدّنيا، ويحدّد موقع الإنسان منها، ويكشف عن طبيعة العلاقة التي ينبغي أنْ تربطه بها، ويبيّن المعايير التي يقاس بها النّجاح والفشل في رحلة الإنسان القصيرة على هذه الأرض، وعليه فتنبع أهمّيّة دراسة هذا الحديث الشّريف من كونه يقدّم رؤيةً واقعيّةً متوازنةً للدّنيا، بعيدةً عن إفراط من يجعلها كلّ شيء، وتفريط من يهملها كلّيًّا، فهو يصفها بصورةٍ مألوفةٍ لكلّ إنسان، وهي صورة السّوق.

أوّلًا: لماذا شبّه الإمام الدّنيا بالسّوق؟

اختيار الإمام عليه السلام للسّوق دون غيره من التشبيهات اختيار مقصود ودقيق، فالسّوق له خصائص معيّنة تتطابق تمامًا مع طبيعة الحياة الدّنيا، وفهم هذه الخصائص يساعدنا على فهم الحديث بعمق أكبر.

أوّل هذه الخصائص أنّ السّوق مكانٌ مؤقّت، فالنّاس يدخلونه لقضاء حاجاتهم ثمّ ينصرفون، ولا أحد يبقى في السّوق طوال حياته، وكذلك الدّنيا، فإنّها محطّة عابرة في حياة الإنسان، يدخلها بالولادة ويخرج منها بالموت، هذا الفهم يجعل الإنسان يتعامل مع الدّنيا بحذر ووعي، فلا يتعلّق بها تعلّق المقيم الدّائم، ولا يبني عليها آمالًا لا تنتهي.

الخاصّيّة الثّانية أنّ السّوق مكان للتّبادل، فأنت تدفع شيئًا لتأخذ شيئًا آخر، وكلّما كانت مهارتك في المساومة أعلى، كانت صفقاتك أربح، والدّنيا كذلك تمامًا، فأنت تدفع من عمرك ووقتك وجهدك لتحصل على شيءٍ في المقابل، والمؤمن العاقل هو الذي يحسن هذه المبادلة، فلا يدفع عمره الثّمين مقابل أشياء تافهة لا تستحقّ.

الخاصّيّة الثالثة أنّ السّوق ميدانٌ للتنافس، فالنّاس فيه يتنافسون على البضائع الجيّدة، ويتسابقون لاقتناصها قبل غيرهم، وفي الدّنيا أيضاً، نجد النّاس يتنافسون على ما يظنّونه خيرًا لهم، فمنهم من يتنافس على المال والمنصب، ومنهم من يتنافس على رضا الله وجنّته، والنّجاح يكون لمن وجّه تنافسه نحو الأهداف الصّحيحة.

الخاصّيّة الرابعة أنّ السّوق تتفاوت فيه نتائج النّاس، فليس كلّ من يدخل السّوق يخرج رابحًا، وليس كلّ من يدخله يخرج خاسرًا، والتّفاوت في النتائج يعتمد على مهارة كلّ شخص وذكائه وحسن تدبيره، وكذلك الحياة الدّنيا، فالنّاس فيها يتفاوتون تفاوتًا كبيرًا، لا بسبب الحظّ، بل بسبب اختياراتهم وأعمالهم.

ثانيًا: العمر هو رأس المال

كلّ تاجر يدخل السّوق ومعه رأس مال، فما هو رأس المال الذي يدخل به الإنسان سوق الدّنيا؟ إنّه عمره، بكلّ ما فيه من أيّام وساعات ودقائق، هذا العمر هو الرّصيد الذي يبدأ به كلّ إنسان تجارته في هذه الحياة، وهو أثمن ما يملك.

ومن خصائص هذا الرّأس المال أنّه ينقص باستمرار ولا يزيد أبدًا، فكلّ يوم يمضي، تنقص أيّامك من رصيدك، وكلّ ساعة تمرّ، تنقص ساعة من عمرك، وهذا النقص لا يتوقّف، ولا يمكن إيقافه بأيّ وسيلة، لذلك ينبغي على الإنسان أنْ يحسن استثمار هذا الرّصيد قبل أنْ ينفد.

ومن أهمّ ما ينبغي معرفته عن العمر أنّه لا يقبل التّعويض، فإذا خسرت مالًا، يمكن أنْ تكسب غيره، وإذا فقدت صحّة، قد تستعيدها يومًا ما، أمّا الوقت إذا مضى، فلا توجد قوّة في الوجود تستطيع إعادته، ولهذا السبب، فإنّ تضييع الوقت هو من أعظم الخسائر التي يمكن أنْ يقع فيها الإنسان.

ومن الأمور التي تضاعف من قيمة الوقت أنّك لا تعرف متى ينتهي رصيدك، فقد يكون قريبًا جدًّا، وقد يكون بعيدًا، لكنّ المؤكّد أنّه ينتهي يومًا ما، وهذا الجهل بالنّهاية ينبغي أنْ يدفع الإنسان إلى المبادرة بالعمل الصّالح، وعدم تأجيله إلى الغد، فقد لا يأتي ذلك الغد أبدًا، فعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: «والفرصة تمر مرّ السّحاب، فانتهزوا فرص الخير». (نهج البلاغةج4، ص 6).

ثالثًا: ما الذي تشتريه في هذا السّوق؟

إذا كان عمرك هو رأس مالك، فما هي البضاعة التي تشتريها بهذا الرّأس المال؟ في سوق الدّنيا، توجد بضاعتان رئيسيّتان؛ بضاعة نافعة تبقى مع الإنسان وتنفعه في آخرته، وبضاعة زائلة تنتهي بانتهاء حياته.

البضاعة النّافعة الباقية هي الأعمال الصّالحة بكلّ أنواعها، منها العبادات الخالصة لله تعالى، كالصّلاة والصّوم والحجّ وغيرها، ومنها العلم النّافع، سواءً تعلّمه الإنسان لنفسه أو علّمه لغيره، ومنها الإحسان إلى الناس، كصلة الأرحام، ومساعدة المحتاجين، وإدخال السّرور على قلوب المؤمنين، ومنها الصّبر على البلاء، والشّكر عند النعمة، ومنها أيضًا الولاء لأهل البيت عليهم السلام، والسّير على نهجهم في الحياة.

هذه البضاعة لها ميزتان مهمّتان، الميزة الأولى أنّها تبقى مع الإنسان ولا تفارقه، حتّى بعد موته، فترافقه في قبره، وتشفع له يوم الحساب، والميزة الثّانية أنّها تنمو وتزداد بفضل الله تعالى، فالحسنة الواحدة قد تضاعف إلى عشر حسنات، وقد تضاعف إلى أكثر من ذلك بحسب الإخلاص ونوع العمل.

أمّا البضاعة الزّائلة فهي ملذّات الدّنيا الفانية، وشهواتها العابرة، وهي تبدو في الظّاهر جميلة جذّابة، لكنّها في الحقيقة لا تنفع صاحبها بعد موته، بل قد تتحوّل أحيانًا إلى وبالٍ عليه، إذا كان قد جمعها من حرام أو أنفقها في حرام.

والمشكلة أنّ البضاعتين أحيانًا تختلطان، فيظنّ الإنسان أنّه يشتري بضاعةً نافعة، بينما هو في الحقيقة يشتري بضاعةً زائلة، مثال ذلك من يتصدّق على الفقراء بنيّة الرّياء والسّمعة، فظاهر عمله صدقة، لكنّه في الحقيقة خسارة، لأنّ نيّته فاسدة، ولهذا فإنّ التمييز بين البضاعتين يحتاج إلى علمٍ وبصيرة.

رابعًا: من هم الرّابحون؟

بعد أنْ عرفنا طبيعة السّوق ورأس المال والبضاعة، يأتي السّؤال المهمّ: من هم الرّابحون في هذا السّوق؟ وما هي الصّفات التي تميّزهم عن غيرهم؟

الرّابحون هم أوّلًا أولئك الذّين فهموا حقيقة الدّنيا، ولم ينخدعوا بزخرفها، هم الذّين نظروا إليها على أنّها محطّة عابرة، فأخذوا منها ما يكفيهم للسّفر، ولم يحملوا منها ما يثقل ظهورهم، هؤلاء جعلوا الدّنيا في أيديهم، لا في قلوبهم، فاليد قد تحمل المال والمتاع، لكنّ القلب يبقى معلّقًا بالله تعالى وحده.

ومن صفات الرّابحين أنّهم يعرفون قيمة الوقت ولا يضيّعونه، فهم يحرصون على كلّ ساعة من ساعات يومهم، ويجعلون لكلّ شيء موضعه ووقته، لا تجدهم في حالة لهو وعبث طويل، ولا تجدهم منشغلين بما لا يعنيهم، كلّ لحظة من حياتهم لها هدف، إمّا عبادة تقرّبهم من الله، أو عمل ينفع النّاس، أو راحة تجدّد نشاطهم للطّاعة.

ومن صفاتهم أيضًا المحاسبة الدّائمة للنّفس، فهم لا يتركون أنفسهم تسير بلا رقابة، بل يراجعون أعمالهم كلّ يوم، وينظرون فيما عملوا، فإنْ وجدوا خيرًا حمدوا الله عليه واستزادوا منه، وإنْ وجدوا تقصيرًا استغفروا الله وعزموا على عدم العودة إليه، وقد ورد عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام أنّه قال: «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإنْ عمل حسنًا استزاد الله، وإنْ عمل سيئًا استغفر الله منه وتاب إليه». (الكافي ج 2، ص 453).

والرّابح أيضًا هو من يحسن اختيار رفقائه في الطّريق، فالإنسان يتأثّر بمن حوله تأثّرًا كبيرًا، فإنْ صحب أهل الخير اقتدى بهم وسار على نهجهم، وإنْ صحب أهل الشرّ تأثّر بهم وانحرف معهم، ولذلك حرص الرّابحون على أنْ يكون قدوتهم في الحياة محمّدًا وآل محمّد صلوات الله عليهم، فهم نور الهداية، ومصابيح الطّريق، ومن سار خلفهم لن يضلّ أبدًا.

ومن صفاتهم كذلك حسن التّعامل مع البلاء، فالدّنيا لا تخلو من الابتلاءات والمصائب، ولا أحد يعيش فيها بلا هموم ومشاكل، والفرق بين الرّابح والخاسر ليس في وجود المشاكل، بل في طريقة التّعامل معها، فالرّابح يستقبل البلاء بالصّبر والرّضا، فيتحوّل البلاء في حقّه إلى ربحٍ وأجر، وترتفع به درجاته عند الله تعالى.

والرّابح أخيرًا هو من يخدم النّاس ويسعى في قضاء حوائجهم، فالمؤمن لا يعيش لنفسه فقط، بل هو جزء من مجتمع يتفاعل معه، وقد ورد في بعض الرّوايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام أنّ السّعي في قضاء حاجة المؤمن أفضل من كثير من العبادات، لأنّ فيه نفعًا متعدّيًا، يصل خيره إلى الآخرين.

خامسًا: من هم الخاسرون؟

في المقابل، هناك أناس يخرجون من هذا السّوق خاسرين، فمن هم هؤلاء؟ وما هي الصّفات التي أوقعتهم في الخسارة؟

الخاسرون هم أوّلًا أولئك الذين غفلوا عن حقيقة الدّنيا، عاشوا فيها وكأنّها هي كلّ شيء، ولم يفكّروا فيما وراءها، فهذه الغفلة هي أمّ الخسائر، لأنّها تمنع الإنسان من رؤية الواقع كما هو، وتجعله يتصرّف بناءً على معلومات ناقصة، فمن لا يعرف أنّ الدّنيا فانية، يتعلّق بها كأنّها باقية، ومن لا يعرف أنّ بعد الموت حسابًا، لا يستعدّ لذلك الحساب.

ومن صفات الخاسرين التعلّق الشّديد بالدّنيا، فهم يجعلون الدّنيا في قلوبهم قبل أنْ تكون في أيديهم، فتسيطر عليهم وتستعبدهم، يفرحون فرحًا مبالغًا فيه لأيّ مكسب دنيويّ، ويحزنون حزنًا عميقًا لأيّ فقد دنيويّ، هذا التعلّق القلبيّ هو ما يحوّل الإنسان من سيّد في الدّنيا إلى عبد لها.

ومن صفاتهم أيضاً التأجيل والتسويف، فهم يكثرون من قول «سأفعل غدًا» و«سأتوب لاحقًا» و«حين أكبر سأهتمّ بأمر آخرتي»، وهكذا يمرّ عمرهم وهم في حالة انتظارٍ دائم، حتّى يفاجئهم الموت وهم لم يفعلوا شيئاً ممّا كانوا يُؤجّلونه، والتأجيل من أعظم أسلحة الشّيطان على الإنسان، لأنّه يجعله يخسر فرصةً تلو الأخرى دون أنْ يشعر.

ومن صفاتهم اتّباع الهوى، فهم لا يحتكمون إلى عقولهم ولا إلى دينهم، بل يحتكمون إلى ما تشتهيه أنفسهم، إنْ أرادت أنفسهم شيئًا، سعوا إليه ولو كان فيه هلاكهم، وإنْ كرهت أنفسهم شيئًا، تجنّبوه ولو كان فيه نجاتهم. وهذا الاستسلام للهوى يجعل الإنسان كالمركب بلا قبطان، تتقاذفه الأمواج إلى حيث لا يدري.

ومن صفاتهم كذلك صحبة السّوء، فهم يجالسون أهل الغفلة والمعصية، ويتأثّرون بهم، والصّاحب يؤثّر في صاحبه، فمن جالس أهل الخير صار منهم، ومن جالس أهل الشرّ أصبح منهم.

وأخطر صفات الخاسرين أنّهم يعرضون عن الحقّ حتّى بعد أنْ يعرفوه، فالإنسان قد يعرف الحقّ بوضوح، ويعرف أنّ أهل البيت عليهم السلام هم سفينة النّجاة، لكنّه يعرض عن ذلك بسبب كبرياء أو شهوة أو مصلحة دنيويّة، وهذا الإعراض هو من أعظم أسباب الهلاك، لأنّه يحرم الإنسان من نور الهداية بعد أنْ أراه الله إيّاه.

سادسًا: الرّبح الحقيقيّ والرّبح الزّائف

من الأمور المهمّة التي ينبغي فهمها أنّ الرّبح والخسارة في هذا السّوق لا يقاسان بالمعايير الدنيويّة، فليس الغنيّ بالضّرورة رابحًا، وليس الفقير بالضّرورة خاسرًا، وليس صاحب المنصب بالضّرورة ناجحًا، وليس البسيط بالضّرورة فاشلًا

قد يكون الإنسان فقيرًا في الدّنيا، لكنّه من أعظم الرّابحين عند الله، إذا كان قد صبر على فقره، ورضي بقسمة ربّه، وسعى لكسب رزقه من الحلال، وقد يكون الإنسان غنيًّا ميسورًا، لكنّه من أعظم الخاسرين، إذا كان قد جمع ماله من حرام، أو منع حقوق الله فيه، أو استكبر على عباد الله بسبب ماله.

والعكس صحيحٌ أيضًا، فقد يكون الغنيّ من الرّابحين، إذا أحسن استعمال ماله في طاعة الله، وأنفق منه على الفقراء، وقضى حوائج المحتاجين، وقد يكون الفقير من الخاسرين، إذا حسد الأغنياء، وسخط على قدر الله، وملأ قلبه الغلّ والحقد على النّاس.

فالميزان الحقيقيّ في الرّبح والخسارة هو حال القلب وعمل الجوارح، لا كثرة المال وقلّته، وما ينفع الإنسان يوم القيامة هو ما قدّمه من عمل صالح، لا ما خلّفه من مال ومتاع.

سابعًا: ساعة إغلاق السّوق

كلّ سوق له موعد إغلاق، يأتي النّاس فيه لينهوا معاملاتهم ويغادروا، وكذلك سوق الدّنيا، له موعد إغلاق بالنسبة لكلّ إنسان، وهو لحظة موته، في تلك اللحظة، يغلق باب العمل أمامه، ولا يعود بإمكانه إضافة شيء جديد إلى رصيده.

وفي تلك اللحظة، يكتشف كثير من النّاس حقيقة وضعهم، الذين كانوا يظنّون أنّهم رابحون، قد يكتشفون أنّهم خاسرون، والذين كان يحسبهم النّاس فاشلين في الدّنيا، قد يظهرون من أعظم الرّابحين عند الله، لأنّ الموازين الإلهيّة تختلف عن الموازين البشريّة، والله يرى ما لا يراه النّاس.

ويتمنّى كثيرٌ من الخاسرين في تلك اللحظة لو أنّهم يعودون إلى الدّنيا ليصلحوا ما أفسدوا، ويعملوا بما فرّطوا فيه، لكنّ هذه الأمنية لا تتحقّق أبدًا، فالفرصة قد انتهت، والسّوق قد أغلق، ولم يبق إلّا الحساب.

ثمّ يأتي يوم القيامة، وهو يوم الحساب الأكبر، في هذا اليوم تنكشف كلّ الحقائق، وتظهر كلّ الأعمال، ويرى كلّ إنسان ما قدّم في حياته فالميزان في هذا اليوم دقيق جدًّا، لا تضيع معه ذرّةٌ من خير أو شرٍّ، ويسأل الإنسان عن أربعة أمور: عمره فيم أفناه، وشبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعلمه ماذا عمل به.

ومن رحمة الله بنا أنّه جعل لنا في ذلك اليوم شفعاء، هم محمّد وأهل بيته عليهم السلام، فمن عاش في الدّنيا على ولايتهم، وسار على نهجهم، حظي بشفاعتهم يوم القيامة، وهذه الشّفاعة هي من أعظم أسباب النّجاة في ذلك اليوم العصيب.

ثامنًا: كيف نكون من الرّابحين؟

بعد كلّ ما تقدّم، يبقى السّؤال العمليّ الأهمّ: ماذا أفعل لأكون من الرّابحين؟ والإجابة تكون عبر خطوات بسيطة يستطيع كلّ إنسان أنْ يطبّقها في حياته.

الخطوة الأولى أنْ تحدّد هدفك في الحياة بوضوح، اسأل نفسك: ما الذي أُريد تحقيقه؟ ولماذا أعيش؟ فإذا كان هدفك هو رضا الله تعالى، فاجعل هذا الهدف نصب عينيك في كلّ تصرّف من تصرّفاتك، ولا تنشغل بالأهداف الصّغيرة عن الهدف الكبير.

الخطوة الثانية أنْ تنظّم وقتك، قسّم يومك بين العبادة والعمل وراحة النّفس، واجعل لكلّ شيءٍ موضعه، ولا تترك أيّامك تمرّ بدون تخطيط، فإنّ من لم يخطّط لوقته، ضيّعه دون أنْ يشعر، ابدأ يومك بنيّة صالحة، واختمه بمحاسبة صادقة.

الخطوة الثّالثة أنْ تداوم على الأعمال الصّالحة ولو كانت قليلة، لا تستهن بالعمل الصّغير، فإنّ القليل الدّائم خيرٌ من الكثير المنقطع، اجعل لك وردًا يوميًّا من الذّكر وقراءة القرآن، حتّى لو كان عشر دقائق فقط، وحافظ على صلواتك في أوقاتها، فإنّها عمود الدّين.

الخطوة الرابعة أنْ تختار رفقاء صالحين، ابحث عن أشخاصٍ يذكّرونك بالله، ويعينونك على الطّاعة، ويدلّونك على الخير، وابتعد عن من يصرفك عن دينك، أو يغريك بالمعصية، أو يجعلك تنسى آخرتك، فإنّ الصّاحب له تأثير كبير على صاحبه.

الخطوة الخامسة أنْ تُحاسب نفسك يوميًّا، فعليك أنْ تخصّص بضع دقائق قبل النوم لمراجعة يومك، انظر ماذا عملت من خير، فاحمد الله عليه، وانظر ماذا قصّرت فيه، فاستغفر الله منه، وهذه المحاسبة اليوميّة تبقيك في حالة من اليقظة، وتمنعك من الانحراف.

الخطوة السّادسة أنْ تستعين بالله في كلّ شؤونك، فالإنسان مهما خطّط وعمل، لا يستطيع أنْ يحقّق شيئًا بدون توفيق الله، ولهذا ادعُ الله دائمًا أنْ يوفّقك لما فيه خيرك، وأنْ يهديك الصّراط المستقيم، وأنْ يجعلك من عباده الصّالحين.

والخلاصة: فإنّه يتبيّن لنا من خلال هذه القراءة التحليليّة أنّ كلمة الإمام عليّ الهادي عليه السلام «الدّنيا سوقٌ ربح فيها قومٌ وخسر آخرون» ليست مجرّد تشبيه بلاغيّ عابر، بل هي منظومة فكريّة متكاملة تلخّص رؤية أهل البيت عليهم السلام للحياة الدّنيا، وتحدّد موقع الإنسان منها بدقّة، فهي تطرح تصوّرًا  واقعيًّا يقوم على ثلاثة محاور رئيسيّة؛ أنّ الدّنيا ميدان مؤقّت لا دار إقامة، وأنّ الإنسان فيها مسؤول عن خياراته ونتائجها، وأنّ التّفاوت بين النّاس فيها يعود إلى حسن التدبير أو سوئه، لا إلى الحظّ والصّدفة، وهذه الرؤية تحرّر الإنسان من وهم العبثيّة، وتضعه أمام مسؤوليّته الكبرى في هذا الوجود، فيعمل بوعي وبصيرة، لا بغفلة واستسلام.

ويبقى الخطاب الذي توجّهه هذه الحكمة الهاديّة مفتوحًا لكلّ قارئٍ ومتأمّل، يدعوه إلى مراجعة نفسه قبل أنْ يُغلق السّوق في وجهه، وإلى تصحيح مساره ما دامت أنفاسه تتردّد، فالفرصة قائمة، ورأس المال لم ينفد بعد، والباب مفتوح لكلّ من أراد أنْ ينضمّ إلى قافلة الرّابحين، نسأل الله تعالى بحقّ محمّد وآله الطاهرين أنْ يجعلنا من المستفيدين من أقوال أئمّتنا عليهم السلام ومن السّائرين على نهجهم القويم، ومن الفائزين برضوانه في دارٍ كرامته، إنّه سميعٌ مجيب.

 

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.