آثار التقوى في الحياة الدّنيا                النّزاعُ بين الزّوجين أسبابه وأضراره وعلاجه                الشكر القلبي                العلاقة بين الرزق والإيمان               مشروع الزّواج بين الرّبانية والنفعيّة ... قراءة في الأهداف والممارسات                الثّمرات الدّنيويّة لصلاة الليل                شرف المؤمن وعزّه                صعود الكلم الطيب                من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
285121
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات أخلاقية
 
 
آثار التقوى في الحياة الدّنيا
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/10/15 - [المشاهدات : 17]
 

 آثار التقوى في الحياة الدّنيا

الشيخ حسن عبد الله العجمي

المصدر كتاب "القيامة عرس المتقين"

قد يظن بعض الناس أنّ ثمرات التّقوى لا تظهر إلّا بعد الموت، وأنّ الإنسان إنّما ينتظر أثرها في القبر أو يوم القيامة فقط، لـكنّ القرآن الـكريم يعلّمنا أنّ للتقوى آثارًا قريبة يراها العبد في دنياه قبل آخرته، فالتّقوى لا تنقل الإنسان إلى حياة بلا تعب، ولا تعفيه من الابتلاء، لأنّ الدّنيا دار امتحان للجميع، ولـكنّها تجعله أهدأ قلبًا، وأصدق نظرًا، وأثبت عند الشدّة، وأبعد عن التّخبط والضياع.

والمتقي لا يعيش خارج الحياة، بل يعيش في قلبها: يعمل، ويبيع، ويشتري، ويربّي أولاده، ويتعامل مع النّاس، ويواجه همومًا يوميّة مثل غيره، غير أنّ الفرق الـكبير هو أنّ قلبه مربوط بالله، وأنّه يحاول أنْ يجعل رضاه سبحانه حاضرًا في كلمته وقراره ونيّته وتصرّفه، ومن هنا تبدأ آثار التّقوى في الظّهور، في الفكر، وفي السّلوك، وفي الرّزق، وفي العلاقات، وفي الطّريقة التي يواجه بها الإنسان مشكلات الحياة.

والهدف هنا هو تقريب هذه المعاني إلى القارئ بعبارة واضحة، حتّى لا تبقى التّقوى كلمة عامّة تتردّد على الألسنة، بل تصبح معنى عمليًّا يراه الإنسان في يومه وبيته وعمله وطمأنينته، فكلّما صدقت التقوى في القلب ظهرت آثارها أوضح في الدّنيا، وكانت هذه الآثار نفسها تمهيدًا كريمًا لما بعد الدّنيا من بشارة ورحمة ورضوان.

نور البصيرة وحسن التمييز

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. [الأنفال: 29].

من أوّل آثار التّقوى في الحياة الدّنيا أنّ الله يرزق العبد نورًا في قلبه، وهذا النّور هو الّذي يعينه على التّمييز بين الحقّ والباطل، وبين النّافع والضّار، وبين ما يرضي الله وما يبعد عنه، وكثير من النّاس لا يضيعون لأنّهم يجهلون كلّ شيء، بل لأنّهم يعرفون أحيانًا ثمّ تغلبهم الشّهوة، أو يخدعهم الظّاهر، أو يزيّن لهم الهوى ما لا ينفعهم، أمّا المتقي فإنّ مراقبته لله تجعل قلبه أصفى، وبصيرته أقرب إلى الصّواب.

وهذه البصيرة لا تظهر في المسائل الـكبيرة فقط، بل تظهر أيضًا في التّفاصيل الصّغيرة التي تتكرر كّل يوم تظهر في اختيار الصّاحب، وفي قبول المال أو رفضه، وفي ضبط الكلمة عند الغضب، وفي معرفة الوقت المناسب للسكوت أو الكلام، وفي التمييز بين النصيحة الصّادقة وبين المدح الذي يفسد القلب، والمتّقي قد لا يكون أعلم النّاس، لـكنّه بسبب صدقه مع الله يكون أقرب إلى السّلامة في اختياراته.

ومن آثار هذه البصيرة أنّ الإنسان إذا أخطأ لم يطل بقاؤه مع الخطأ، فهو أسرع إلى التنبه، وأقرب إلى مراجعة نفسه، وأبعد عن العناد والإصرار، وإذا اشتبهت عليه الأمور سأل الله الهداية، واستشار أهل الخير، وخاف أنْ يتبع ما يرضي نفسه فقط، وهذا كلّه من أعظم نعم الدّنيا؛ لأنّ من فقد نور التمييز قد يرى الضّرر منفعة، ويرى القسوة قوّة، ويرى البعد عن الله نجاحًا، ثمّ لا يشعر بخسارته إلّا بعد فوات الأوان.

المخرج من الشدائد والسعة في الرّزق

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. [الطلاق: 2-3]

 لا أحد يعيش في الدّنيا بلا ضيق، فقد تضيق الأحوال بالمال، أو بالمرض، أو بالمشكلات الأسريّة، أو باضطراب النفس، أو بكثرة ما يحيط بالإنسان من ضغوط، وهنا تبرز التقوى بوعد ربّاني كريم، أنّ الله يجعل للمتقي مخرجًا، وليس معنى هذا أنّ الشدّة تختفي دائمًا بسرعة، بل معناه أنّ العبد لا يترك وحيدًا في الطريق المغلق، وأنّ الله يفتح له من رحمته بابًا لم يكن يتوقعه.

وهذا المخرج قد يكون حلًّا ظاهرًا، وقد يكون صبرًا يثبّت القلب، وقد يكون فكرة موفقة، أو شخصًا صالحًا يسوقه الله في الوقت المناسب، أو صرفًا لضرر كان قريبًا ولم يشعر به الإنسان، وكذلك الرّزق ليس مالًا فقط، فراحة القلب رزق، وولد صالح رزق، وصديق أمين رزق، وبيت هادئ رزق، وعافية الجسد رزق، والقناعة رزق، ومن التّقوى أنْ يتعلّم الإنسان أنْ ينظر إلى نعم الله بهذا المعنى الواسع، لا بالمال وحده.

والتّقوى كذلك تمنع صاحبها من أنْ يطلب الفرج من طريق يغضب الله، فكثير من النّاس إذا ضاق بهم الحال أسرعوا إلى الحرام، فزادهم الحرام ضيقًا فوق ضيق، وقلقًا فوق قلق، أمّا المتّقي فيصبر، ويحاول، ويأخذ بالأسباب، لـكنّه يحرص أنْ تبقى يده نظيفة وطريقه مستقيمًا، ومن صدق مع الله في هذا الباب رأى من لطف الله ما يثبّت قلبه، ولو بعد حين.

البركة في الوقت والمال والأهل والأرض

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. [الأعراف: 96]

 البركة من أعظم ثمرات التّقوى في الدّنيا، وهي ليست مجرّد كثرة العدد، بل حسن الأثر ودوام النّفع، فقد يكون المال كثيرًا بلا بركة، فيذهب سريعًا، أو يكثر معه النّزاع والهم، وقد يكون قليلًا لـكنّ الله يجعل فيه كفاية وراحة وسترًا، وقد يعيش إنسان سنوات طويلة ولا يكاد يترك خيرًا، ويعيش آخر عمرًا أقصر لـكنّ الله يفتح له في وقته وعمله وأهله ما يجعل حياته ممتلئة بالنّفع.

والبركة تظهر في صور يعرفها عامّة النّاس جيّدًا، تظهر في وقت يسع عبادتك وعملك وواجبات بيتك من غير فوضى خانقة، وتظهر في بيت بسيط لـكنّه مطمئن، وتظهر في تجارة قامت على الصّدق فاستمر خيرها، وفي تربية صالحة بدأت بكلمات يسيرة ثم أثمرت أولادًا مستقيمين، وفي علم قليل نافع خير من علم كثير لا يظهر له أثر، وهذه المعاني كلّها تقرّب للقارئ معنى البركة كما يعيشها في يومه لا كما يتخيلها فقط.

وإذا تأمل الإنسان أحوال النّاس رأى أنّ المعصية كثيرًا ما تمحق البركة، حتّى لو ظهر معها متاع عابر، فالمال الحرام قد يدخل كثيرًا، لـكنّه يدخل معه القلق، وتدخل معه المشكلات، ويذهب معه الاطمئنان، والـكذب قد يحقق مصلحة عاجلة، لـكنّه يفسد الثّقة، أمّا التّقوى فإنّها تحفظ النّعمة من الضّياع، وتعلّم العبد أنْ يشكر الله على ما عنده، وأنْ يستعمله في طاعته، فيزداد الخير ولا ينقص.

إصلاح الأعمال ومحو الزّلات

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. [الأحزاب: 70-71]

من كرم الله على المتّقي أنّ التّقوى لا تحفظه من بعض الزّلات فقط، بل تدخل إلى أعماله فتصلحها، فالإنسان قد يعمل كثيرًا، لـكن العمل لا يصير نافعًا بصورته الظّاهرة وحدها، إنّه يحتاج إلى نيّة صادقة، وإخلاص، وبعد عن الرّياء، وحفظ لحقوق النّاس، وصدق في اللسان، وإذا دخلت التّقوى إلى القلب صار الإنسان أكثر انتباهًا لهذه المعاني، فصارت أعماله أقرب إلى القبول وأبعد عن الفساد الدّاخلي.

ولهذا جاء في الآية ذكر القول السّديد؛ لأنّ اللسّان من أخطر الأبواب، بكلمة قد يصلح الإنسان بيته، وبكلمة قد يفسد علاقة طويلة، وبكلمة قد يطمئن قلبًا مكسورًا، وبكلمة أخرى قد يؤذي ويجرح ويظلم، فإذا اتقى العبد ربّه في كلامه، فابتعد عن الـكذب والغيبة والإشاعة والتهوّر، انعكس ذلك على سائر أعماله؛ لأنّ اللسّان إذا استقام أعان القلب والجوارح على الاستقامة.

ثم تأتي البشارة الثانية في الآية: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فالمتقي ليس إنسانًا معصومًا، لـكنّه لا يرضى بالبقاء في الخطأ، إذا زلّ رجع، وإذا قصّر استغفر، وإذا نسي تذكّر، وهذا المعنى يبعث الأمل في نفوس النّاس؛ لأنّ المطلوب ليس أنْ يكون الإنسان كاملًا من أوّل يوم، بل أنْ يكون صادقًا في رجوعه، جادًّا في إصلاح نفسه، حريصًا على أنْ لا يتحوّل الذّنب العابر إلى طريق دائم.

التوفيق والسّداد في القرار والعمل

قال أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنّ تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملـكة، ونجاة من كلّ هلـكة". [نهج البلاغة: خطبة 157]

السّداد من أثمن ما يحتاج إليه الإنسان في الدّنيا، فكثير من النّاس لا ينهزمون بسبب قلّة الإمكانات فقط، بل بسبب سوء القرار، أو التسرّع، أو ضعف النّظر في العاقبة، والمتّقي حين يجعل خوف الله حاضرًا في اختياراته يكون أقرب إلى الحكمة، لأنّه لا يسأل: ماذا أريد الآن فقط؟ بل يسأل أيضًا: ماذا يرضي الله؟ وما نتيجة هذا القرار بعد أيام وسنين؟ وهل فيه ظلم لأحد؟ وهل فيه شبهة أو اندفاع أو استجابة لهوى عابر؟

ومن معاني السّداد كذلك أنّ الإنسان لا يبقى أسير غضبه، أو طمعه، أو حبّ المدح، أو خوف النّاس، فكثير من القرارات الخاطئة سببها أنّ النّفس تريد راحة عاجلة، أو انتصارًا سريعًا، أو صورة جميلة أمام الخلق، أمّا التّقوى فتعيد ترتيب الميزان داخل القلب، وتحرر الإنسان من هذه العبوديّات الخفية، فيصير أقدر على أنْ يقول: لا، حين تكون كلمة >لا< طاعة، وأنْ يصبر، حين يكون الصّبر هو الطّريق الصّحيح.

وقد روي عن أهل البيت عليهم السلام أنّ التّقوى أساس قبول الأعمال، وأنّ العمل مع التّقوى لا يضيع عند الله، وهذا يعلّمنا أنّ النّجاح الحقيقي ليس في كثرة الحركة وحدها، بل في صحّة الوجهة وسلامة الطريق، فكم من جهد كبير أفسدته الغفلة، وكم من عمل صغير عظّمته التّقوى حتّى صار عند الله كبيرًا، ولهذا كان السّداد ثمرة عمليّة ظاهرة من ثمرات التّقوى في الحياة.

الطمأنينة والثبات عند الفتن

قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. [الزمر: 36]

من آثار التّقوى التي يشعر بها المؤمن في دنياه طمأنينة القلب، وهذه الطمأنينة لا تعني غياب الحزن والمشكلات، وإنما تعني أنّ القلب لا ينهار مع كلّ موجة، ولا يتشتت مع كل فتنة، ولا يفقد وجهته كلما اضطربت الأحوال، فالمتقي قد يمر بما يمر به الناس من خوف وهم وقلق، لـكنه يجد في داخله أصلًا ثابتًا يرده إلى الله، ويمنعه من السّقوط الكامل.

والفتن في الدّنيا كثيرة، وليس المقصود بها الفتن الـكبرى فقط، فقد تكون الفتنة مالًا يجرّ إلى الحرام، أو شهوة تضعف الإرادة، أو ضغطًا اجتماعيًّا يدفع إلى التنازل عن الحق، أو خبرًا يربك القلب، أو مشكلة طويلة تستنزف الصبر، وهنا تظهر ثمرة التّقوى؛ لأنّها تعلّم العبد أنْ يثبت، وأنْ لا يبيع دينه من أجل راحة مؤقتة، وأنْ لا يواجه الاضطراب باضطراب أكبر، بل بذكر الله، والدّعاء، والصبر، وحسن الظن بالله.

ولذلك كان المتقي أهدأ النّاس عند تغيّر الأحوال؛ لأنّه يعلم أنّ الأمر كلّه بيد الله، وأنّ ما عند الله خير وأبقى، فإذا جاءه خير شكر، وإذا نزلت به شدّة صبر، وإذا التبست عليه الأسباب لم يترك باب الدّعاء، ولم ينس أنّ الـكفاية من الله قبل أنْ تكون من النّاس، وهذه الطمأنينة من أعظم نعم الدّنيا، لأنّها تحفظ القلب من الانكسار أمام التقلبات.

القبول الحسن والأثر الطيّب بين الناس

قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف التقوى: "ألا وإنّ التّقوى دار حصن عزيز". [نهج البلاغة: الخطبة 157]

من آثار التّقوى في الدّنيا أنّ الله يجعل لصاحبها أثرًا طيّبًا في النّاس، حتّى لو لم يطلب ذلك ولم يسع إليه بالتّصنع، فالنّاس قد تُخدع بالكلام فترة، لـكنّهم في النهاية يشعرون بصدق الإنسان أو تكلّفه، وبأمانته أو مكره، وبرحمته أو قسوته، والمتقي، ما دام يحاول أنْ يصلح سريرته، يظهر هذا الإصلاح على وجهه وكلامه وتعامله، فيجد قبولًا ومحبة وثقة لا تشترى بالمال.

وليس المقصود بالقبول أنْ يرضى عن الإنسان كلّ النّاس، فهذا لا يكون، لـكنّ المقصود أنْ يغلب على سمعته الصّدق، وأنْ يكون معروفًا بالأمانة، وحفظ الحقوق، ولين الجانب، والبعد عن الظلم، فإذا غاب اطمأن الناس إلى معاملته، وإذا حضر لم يخافوا لسانه ولا يده، وهذه ثمرة عظيمة؛ لأنّ الأثر الطيب في الدّنيا رزق، وهو أيضًا حماية للإنسان من كثير من آثار سوء السّلوك.

وكلّما زادت التقوى زاد حضور هذا المعنى، فالإنسان الصّادق الواضح لا يحتاج في كلّ مرّة إلى أنْ يشرح نفسه طويلًا؛ لأنّ سيرته تشهد له، أمّا من اعتاد الـكذب أو الغدر أو الأذى فإنّه وإنْ ربح موقفًا عاجلًا، يخسر على المدى البعيد ثقة النّاس ودعاءهم وحسن ذكره بينهم، ومن نعم الله على المتقي أنْ يجعل صلاح الباطن سببًا في طيب الأثر الظّاهر.

التقوى تحفظ البيت والعمل والمعاملة

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.  [النحل: 90]

التّقوى لا تبقى في زوايا العبادة الفرديّة، بل تدخل البيت والعمل والسّوق وكلّ معاملة، فالمتقي إذا دخل بيته كان أرفق، وأصدق، وأبعد عن الظلم والتسلّط، وإذا ذهب إلى عمله كان أحرص على الأمانة، وإتقان المسؤوليّة، والبعد عن الخيانة والـكسل والغش، وإذا تعامل مع النّاس حفظ حقوقهم، ولم يستحل أموالهم، ولم يبنِ مصلحته على أذيتهم.

وكثير من المشكلات اليوميّة ترجع في أصلها إلى غياب هذا المعنى، غياب الصدّق في الكلام، أو ضعف العدل في التّعامل، أو قسوة القلب داخل البيت، أو استسهال الظلم في مكان العمل، أو التّهاون بحقوق الضّعفاء، فإذا حضرت التقوى قلّ هذا كلّه؛ لأنّ الإنسان يعيش وهو يعلم أنّ الله يراه، وأنّ كلّ كلمة وتصرّف وقرار له وزن عند الله، وليس مجرّد حركة عابرة تنتهي في لحظتها.

من أراد أنْ يعرف أثر التقوى في دنياه فلينظر إلى ثلاثة مواضع قريبة، كيف يتكلم في بيته؟ وكيف يؤدّي عمله إذا غاب الرّقيب؟ وكيف يتصرّف حين تكون المصلحة له لا عليه؟ هنا تظهر حقيقة التّقوى أو ضعفها بوضوح.

وإذا صلحت هذه المواضع صلحت معها مساحات واسعة من الحياة، فيهدأ البيت، وتُحفظ الثّقة، وتُصان المعاملات، ويشعر الإنسان أنّ عبادته ليست منفصلة عن يومه، بل حاضرة في كلّ تفاصيله، وهذا من أجمل آثار التقوى في الدّنيا؛ لأنّها تجعل الدّين حياة كاملة، لا شعائر متفرقة فقط.

قوّة النّفس أمام الشهوة والضغط

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. [النازعات: 40 -41]

من الآثار المهمة للتقوى في الدّنيا أنّها تقوّي النّفس من الدّاخل، فليس كلّ قويٍّ قويًّا حقًّا؛ فقد يبدو الإنسان قويًّا أمام الناس، لـكنّه ينهزم أمام شهوة صغيرة، أو كلمة مدح، أو خوف من لوم الآخرين، أما التّقوى فإنّها تبني في داخل المؤمن قدرة على ضبط نفسه، فيصير أقدر على مقاومة ما يفسده، وأقل انقيادًا لما يجره إلى النّدم.

وهذه القوّة تظهر في مواقف كثيرة يعرفها كلّ النّاس، حين يعرض الحرام في صورة سهلة، وحين تدعو النّفس إلى انتقام متسرّع، وحين يضغط المجتمع على الإنسان ليتنازل عن حقّ أو مبدأ، وحين يريد القلب راحة عاجلة على حساب الصّواب، هنا لا تنفع مجرّد المعرفة وحدها، بل يحتاج العبد إلى قوّة قلبيّة، وهذه القوّة من ثمرات التّقوى والمجاهدة.

وكلّما تعوّدت النّفس على مخالفة الهوى فيما يغضب الله، صارت أصلب وأهدأ وأحسن قيادة، وبالعكس، فإنّ النّفس إذا اعتادت الاستجابة لكلّ رغبة ضعفت سريعًا، وصار صاحبها أسيرًا لما يشتهيه أو يخشاه، ولهذا كانت التّقوى قوّة حقيقيّة، لأنّها تحرر الإنسان من الاستعباد للشهوة والناس والظروف.

سرعة التوبة وتجدّد الأمل

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. [الطلاق: 5]

 من رحمة الله بالمتقي أنّه إذا أخطأ لا يتركه غارقًا في ذنبه، بل يفتح له باب الرّجوع، والتقوى تجعل القلب أسرع إلى الحياء من الله، وأسرع إلى الاعتراف بالتقصير، وأبعد عن التبرير الكاذب، ولهذا فإنّ المتقي وإن ْوقع، لا يحبّ أنْ يقيم على الخطأ، ولا يطمئن إليه، بل يبادر إلى التوبة ويستأنف سيره.

وهذا الأثر مهم جدًا لعامة الناس؛ لأنّ بعضهم يظن أنّ الذنب إذا وقع انتهى كلّ شيء، فيستسلم، ويقول: ما دمت قد أخطأت فلا فائدة، لـكنّ التقوى تعلّم العبد معنى آخر، أنّ الخطأ باب رجوع لا باب قنوط، وأنّ العبرة ليست بأنْ لا يقع الإنسان أبدًا، بل بأنْ لا يرضى بالبقاء بعيدًا عن الله، فكلّ توبةٍ صادقة تجدد القلب، وترد إليه حياته، وتمنحه أملًا جديدًا في السّير.

ومن أجمل آثار هذا المعنى أنّ الإنسان لا يعيش مكسورًا من ماضيه طول الوقت، ولا متغافلًا عنه في الوقت نفسه، بل يعيش بين خوف ورجاء، يخاف ذنبه فيمنعه ذلك من التمادي، ويرجو رحمة ربه فيمنعه ذلك من اليأس، وهذه الموازنة من أعظم ما يصلح القلب في الدّنيا، ويجعل التقوى طريقًا عمليًّا مستمرًا لا شعارًا مؤقتًا.

الدّنيا تصبح طريقًا حسنًا إلى ما بعدها

قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. [الأعراف: 128]

 حين نتأمل آثار التقوى في الدّنيا كلّها، نرى أنّها لا تقف عند حدود الدّنيا نفسها، فالبصيرة، والبركة، والسّداد، والطمأنينة، وسرعة التوبة، وحسن الأثر بين الناس، كلّها معانٍ تجعل حياة الإنسان أهدأ وأنظف وأقوم، لـكنّها في الوقت نفسه تهيئه لما بعد الدّنيا، فالدّنيا عند المتقي لا تكون سجن غفلة، بل مزرعة إعداد، وميدان طاعة، وممرًا كريمًا إلى لقاء الله.

ومن هنا نفهم أنّ آثار التّقوى في الحياة الدّنيا ليست شيئًا منفصلًا عن البرزخ والآخرة، بل هي أوّل الطّريق إليهما، فمن عاش في الدّنيا على الصّدق والرّجوع إلى الله وحفظ الحقوق، كان أرجى لأمنه عند الموت، وأرجى لبشارته في البرزخ، وأرجى لـكرامته يوم القيامة، ولهذا فكلّ ثمرة من ثمرات التّقوى هنا تحمل في داخلها بشارة بما بعدها.

وإذا استقر هذا المعنى في القلب عرف القارئ أنّ التّقوى ليست خسارة للدّنيا، بل إصلاح لها، وليست حرمانًا من الحياة، بل تهذيبًا لها، وليست همًّا زائدًا على الإنسان، بل رحمة به في عاجله وآجله.

 

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.