العلاقة بين الرزق والإيمان               مشروع الزّواج بين الرّبانية والنفعيّة ... قراءة في الأهداف والممارسات                الثّمرات الدّنيويّة لصلاة الليل                شرف المؤمن وعزّه                صعود الكلم الطيب                من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى                برّ الوالدين من أكرم الطباع                الطيّبات والرزق الحقيقي                ثلاثية السّعادة               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
281777
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات أخلاقية
 
 
العلاقة بين الرزق والإيمان
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/10/02 - [المشاهدات : 13]
 

 العلاقة بين الرزق والإيمان

الشيخ الدكتور إحسان صادق اللواتي

المصدر كتاب "إشكالية الرّزق"

قال تعالى: ﴿ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾. [سورة الأعراف، الآية: 96].

تربط هذه الآية المباركة ربطًا مباشرًا بين جهتين: الإيمان والتّقوى من جهة، وانفتاح بركات السماء والأرض من جهة أخرى، فتفيد أنّ الجهة الأخرى مرهونة بوجود الجهة الأولى، وامتناع الأولى يعني امتناع الأخرى، فإذا أراد الناس لأنفسهم أن يكونوا مرزوقين ببركات السماء والأرض فإنّ عليهم أن يتحلوا بالإيمان والتقوى، فهذا طريق انفتاح تلكم البركات.

و"البركات" هي الخير الكثير، وقد ذكر المفسرون للمراد من ﴿بركات من السماء والأرض﴾ أقوالًا متعددة، أهمها:

1-    بركات السماء هي إجابة الدعاء، وبركات الأرض هي حل مشكلات الحياة.

2-    المطر هو المقصود من بركات السماء، والنباتات هي المرادة من بركات الأرض.

3-    الدلالة المقصودة هنا هي على البركات المعنوية والبركات المادية، فبركات السماء هي المعنوية، وبركات الأرض هي المادية. [يراجع: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج5، عند تفسيره الآية الكريمة].

وأيًا كان المراد، فإنّ ما يعنينا في المقام هو التعرض لسؤال قد تستثيره الآية المباركة في أذهاننا، وهو السؤال المتعلق بهذا الربط في الآية بين الإيمان والرزق: أليس هذا الربط متنافيًا مع النصوص الشرعية الأخرى التي تربط الرزق بأسبابه الطبيعية العملية المتمثلة في الكدح والسعي والعمل؟ كقوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ [سورة الملك، الآية: 15]، وقوله: ﴿فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾. [سورة الجمعة، الآية: 10].

والأحاديث الشريفة الدالة على ارتباط الرزق الإلهي الحلال بالكدّ والتعب وراءه هي أكثر من أن تُحصى، من مثل الحديث النبوي الشريف: "من بات كالًّا من طلب الحلال بات مغفورًا له" [ميزان الحكمة 4:119]، وحديث الإمام جعفر الصادق (ع): "لا خير في من لا يحب جمع المال من حلال فيكفّ به وجهه ويقضي به دينه" [نفسه]. لا بل لقد صرّحت بعض هذه الأحاديث الشريفة بأنّ الإنسان الذي يترك الكسب والطلب اتكالًا على العبادة والدعاء لا يستجاب له ولا يُوفق للرزق، فمن هذا أنّ أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) – ويُدعى عمر بن مسلم – انقطع عن الإمام مدة من الزمن، فلمّا سأل عنه قيل له إنه أقبل على العبادة وترك التجارة، فما كان من الإمام (ع) إلا أن قال: "ويحه! أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له؟ إنّ قومًا من أصحاب رسول الله (ص) لمّا نزلت: ﴿ومن يتّق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [سورة الطلاق، الآيتان: 2-3] أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النبي (ص) فأرسل إليهم قال: ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله، تُكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال (ص): إنه من فعل ذلك لم يُستجب له، عليكم بالطلب" [تفسير نور الثقلين، الشيخ الحويزي، 7: 403-404].

وعلاوةً على كل هاتيك النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، نجد الواقع المعيش الخارجي يرفض فكرة ارتباط الرزق بالإيمان ويزكي فكرة ارتباط الرزق بالعمل والكدّ، فما أكثر المؤمنين الصالحين المتقين الذين لا نجدهم من جهة أوضاعهم المادية إلا محدودي الإمكانات وضعيفي الحالات، وفي المقابل نجد أنّ كثيرًا من الكفار وغير المؤمنين بالله يُرزقون بكثير من الثراء والرفاه الماديين. فأي معنى يبقى، بعد هذا كله، لربط الآية الكريمة التي بدأنا بها البحث بين الإيمان والرزق؟

ذُكرت، ويمكن أن تُذكر، في مقام الإجابة عن هذا السؤال، مجموعة من الوجوه، أبرزها:

الوجه الأول:

إنّ القسمة الإلهية للأرزاق هي على نحوين: عامة وخاصة، فأما القسمة العامة فهي القائمة على أساس ارتباط الرزق بأسبابه الطبيعية الخارجية من العمل والجد والاجتهاد والسعي وأمثال ذلك مما هو معروف ومعمول به عند الناس، وهذه القسمة لا علاقة لها بكون المرء مؤمنًا أم لا، صالحًا أم طالحًا، فبقدر عطائه وسعيه يكون النتاج والأثر.

وأما القسمة الخاصة فتكون عن طريق تدخّل الإرادة الإلهية بنحو مباشر، فيحظى بعض الناس برزق خاص لأنّ الله سبحانه أراد لهم ذلك، بصرف النظر عن مقدار الجهد الذي بذلوه في الكسب والسعي لتحصيل الرزق، وهذا مفاد آيات قرآنية متعددة، من مثل قوله تعالى:

-          ﴿قل إنّ ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدِر، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون﴾. [سورة سبأ، الآية: 36]

-          ﴿والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق﴾. [سورة النحل، الآية: 71]

-          ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدِر﴾. [سورة الرعد، الآية 26]

وإذ قد تبيّن هذا، فلا ينبغي الشك عندئذ في أنّ من كان مؤمنًا متقيًا استحق بهذه القسمة الخاصة رزقًا خاصًا من ربه، في إزاء إيمانه وتقواه، بغض النظر عن درجة سعيه وكسبه؛ ذلك أنه، في واقع الأمر، صيّر من نفسه مصداقًا بارزًا للمنقطع إلى الله، ذاك الذي ورد عن رسول الله (ص) أنه قال له: "من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها". [الميزان في تفسير القرآن 19: 320].

وبهذه التفرقة بين هذين النحوين من قسمة الأرزاق لا يبقى في المقام أي إشكال؛ فالرزق مرتبط من جهة القسمة العامة بعمل المرء وكسبه وتعبه، مثلما هو مرتبط أيضًا، من جهة القسمة الخاصة بإيمانه وتقواه.

الوجه الثاني:

ميّزت الروايات الشريفة الواردة عن النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) بين صنفين من الرزق: فثمة من الرزق ما هو مطلوب، وثمة منه ما هو طالب. ومن هذه الروايات ما عن الإمام أمير المؤمنين علي (ع) مثلًا من قوله: "إنّ الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإنْ أنت لم تأته أتاك" [ميزان الحكمة 4: 112].

إنّ هذا التمييز بين هذين الصنفين من الرزق يجيب عن السؤال المثار في المقام من طريق بيان أنّ الرزق المتحصّل بواسطة كسب المرء وجهده وعرقه إنما هو الرزق الذي يطلبه المرء، لكنّ هناك رزقًا آخر يطلب المرءَ، وهو الرزق الذي يقتضيه إيمانه بالله وتقواه في حياته، فلا منافاة إذن بين أن يرتبط الرزق بالسعي من جهة، ويرتبط بالإيمان أيضًا من جهة أخرى.

الوجه الثالث:

كون الرزق قد ربطته النصوص الشرعية، من الكتاب والسنة، بالإيمان ليس معناه أنّ الإيمان علة تامة للرزق، بل معناه أنّ الإيمان هو مجرد مقتضٍ للرزق، مثلما أنّ ذكاء طالب العلم مقتضٍ لتفوّقه. فكما أن ذكاء الطالب لا يكفي لوحده في حصول التفوّ ق فعلًا، بل لا بد من تحقيق الشرط (المذاكرة والجد) وارتفاع المانع (كالكسل والتغيّب والإهمال مثلًا)، فكذلك الرزق لا يتحقق بمجرد توافر المقتضي (الإيمان)، بل ينبغي أيضًا تحقق الشرط (وهو السعي والكسب) وارتفاع المانع (وهو الكسل والتفريط والتواني).

وهذا الوجه الثالث أجاب عن السؤال المعروض بالاعتماد على ما يذكره الفلاسفة من أنّ العلة التامة لها ثلاثة أجزاء: المقتضي والشرط وارتفاع المانع. ومثالهم المشهور لهذا هو أنّ أيّ معلول من المعلولات (احتراق الورقة مثلًا) يحتاج إلى توافر الأجزاء الثلاثة للعلة التامة، فاحتراق الورقة لا يكون حتى يتحقق المقتضي (وجود النار) والشرط (قرب النار من الورقة) وارتفاع المانع (بألّا تكون الورقة مبتلة بالماء). وفي محل كلامنا يرتبط الرزق (المعلول) بالإيمان بوصفه مقتضيًا، ويرتبط أيضًا بالسعي بوصفه شرطًا، فلا منافاة بين الارتباطين ولا تعارض، بل أحدهما يكمل عمل الآخر كما هو بيّن.

لقد تحدثت نصوص روائية عدة عن علاقة الرزق بالدعاء، ولا ريب في أنّ الدعاء إنما يكون من النفس المؤمنة بالله تعالى والمعتمدة عليه في كل أحوالها وشؤونها، وبذا يكون الدعاء الكاشف عن الإيمان نهجًا لتحصيل الرزق من غير الجهة المادية المحتسبة المعتمدة على الكسب والسعي، فعن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: "إنّ الله جعل أرزاق المؤمنين من حيث لا يحتسبون؛ وذلك أنّ العبد إذا لم يعرف وجه رزقه كثر دعاؤه" [ميزان الحكمة 4: 112].

الوجه الرابع:

إنّ القيمة الحقيقية للرزق تنبع من مدى كونه محققًا للمصلحة الحقيقية الواقعية للإنسان، فالرزق الذي ينبغي للمرء أن  يعدّه نعمة كبرى وفضلًا عظيمًا إنما هو ذلك الذي يتسبب في خيره  الواقعي بأن يجعله أقرب إلى تحقيق الهدف السامي الذي خُلق لأجله، وهو عبادة الله تعالى والوصول إلى التكامل البشري من في طريق معاكس لهذا الهدف، بأن يجعله أقرب إلى طاعة الشيطان واتّباع ما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء، فهذا في الواقع وبال عليه وكارثة نزلت عليه، ليس بما هو عطاء وفضل من الله تعالى، بل بلحاظ سوء تصرّف الإنسان فيه وبشاعة طريقة توظيفه له. ومن هذا المنطلق نرى الإمام عليًا (ع) يقول: "كم من منقوص رابح ومزيد خاسر" [نفسه 7: 513]، فليست كل زيادة يحصل عليها المرء تصلح أن تُعدّ ربحًا له بالمقاييس الواقعية، بل قد تكون، بهذه المقاييس، خسارة فادحة له وإنْ خالها ربحًا. وفي المقابل، قد يكون النقص في الرزق ربحًا له، والإقتار خيرًا ونعمة، فيما إذا كان في علم الله سيستغل العطاء الإلهي في اجتراح المعاصي وارتكاب المنكرات المبعدة له عنه سبحانه. وهذا المعنى نجده واردًا في نصوص بعض الأدعية التي تسعى إلى تربية وجدان المؤمن على تقبّل فكرة أنّ نقص الرزق أو إبطاءه قد يكون مصلحة له وإنْ جهلها، فنقرأ مثلًا: "... فصرت أدعوك آمنًا وأسألك مستأنسًا، لا خائفًا ولا وجلًا، مدلًّا عليك فيما قصدت فيه إليك، فإن أبطأ عني عتبت بجهلي عليك، ولعلّ الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور" [من دعاء الافتتاح، وهو من أدعية شهر رمضان. يراجع نصه في "مفاتيح الجنان" للشيخ عباس القمي، ضمن أعمال الشهر الفضيل].

إنّ إيمان العبد بربه وحضور التقوى في وجدانه، ليجعلانه أقرب، بلا ريب، إلى أن يستفيد من عطاء الله تعالى في طريق طاعته وعبادته، فإيمانه ينير الطريق أمامه في كيفية الإفادة من ذلك العطاء، وتقواه تقوده عمليًا في الطريق نفسه. وبذا يتضح هذا الوجه الرابع من وجوه ارتباط الرزق بالإيمان والتقوى؛ فالإيمان والتقوى يجعلان ما يناله العبد رزقًا حقيقيًا له بالمقاييس الإلهية الواقعية، مهما كان مقداره بالمقاييس البشرية المادية البحتة.

الوجه الخامس:

ارتباط الرزق بالإيمان ليس ارتباط كثرة، فهذه الكثرة منوطة بالعمل والكسب، وإنما هو ارتباط بركة، بمعنى أنّ الله – جلّ جلاله – يجعل في رزق المؤمن بركة بقدر ما يتحلى به هذا المؤمن من إيمان وتقوى، وهذا المعنى مستفاد من النصوص الشرعية، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [سورة الطلاق، الآية: 3] أنّه قال: "أي يبارك له فيما آتاه". [ميزان الحكمة 4: 113].

بناءً على هذا، لا يكون ثمة من تنافٍ بين أن يكون الرزق ذا علاقة بالكسب والعمل من ناحية، وبين أن يكون ذا علاقة بالإيمان والتقوى من ناحية أخرى؛ فالعلاقتان مختلفتان في أساسيهما اللذين تقومان عليهما: إذ أنّ أساس الأولى هو كثرة الرزق من الناحية الكمية، وأساس الأخرى بركة ذلك الرزق نفسه من الناحية النوعية.

إنّ اختلاف أرزاق العباد من جهة البركة حقيقةٌ لا يمكن لأيّنا أن ينكرها بحال من الأحوال، فكم من إنسان واسع الثراء وعظيم النعمة، لكنه لا يجد كل هذا الذي بين يديه محققًا له السعادة في حياته، وموصلًا إياه إلى الأهداف الإنسانية السامية، بل سرعان ما يذهب المال مثلما أتى، من دون أن يترك في الحياة أثرًا إيجابيًا حقيقيًا يبقى نفعه لصاحبه بعد مماته، ويعود على مجتمعه، وأمته، والبشرية بالفضل، والرقيّ.

وفي مقابل هذا الأنموذج ثمة أيضًا أنموذج الإنسان الذي قد لا يمتلك من الثراء ما يعدّه الناس واسعًا كبيرًا، لكن ماله يكون عظيم البركة، فهو لا يوضع إلا في محله المناسب، ولا يُصرف إلا حيث ينبغي، فينتفع به صاحبه انتفاعًا حقيقيًا إيجابيًا، ويستفيد منه في صلاح حاله ورفعة شأنه، ليس في هذه الدنيا وحدها، بل فيها وفي الأخرى أيضًا، ويكون هذا المال أيضًا ذا أثر إيجابي كبير في مجتمع صاحبه وأمته، بل لا نعجب إذا كان له أثره في البشرية كلها، فهذه هي البركة التي تزداد بزيادة الإيمان والتقوى.

الوجه السادس:

كون الرزق وفيرًا عند بعض المنحرفين عن طريق الإيمان والتقوى ليس متعارضًا مع حقيقة ارتباط الرزق بالإيمان؛ ذلك أنّ هذا الذي نحسبه نحن بمقاييسنا المادية الظاهرية رزقًا، إنما هو في واقعه استدراج من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء وعقوبة لهم على سوء اختيارهم وقبح طريقتهم؛ لكي يزدادوا بهذا الذي أُغدق عليهم توغلًا في غيّهم وتعمّقًا في انحرافهم. وقد دلّت على هذا المعنى آيات قرآنية متعددة، منها قوله تعالى: ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون﴾ [سورة المؤمنون، الآيتان: 55- 56]، وقوله سبحانه: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ [سورة التوبة، الآية: 55]، وكذلك أيضًا: ﴿ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذاب مهين﴾ [سورة آل عمران، الآية: 178].

وهذا المعنى وارد أيضًا في الروايات الشريفة عن المعصومين (عليهم السلام)، فعن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال: "كم من مستدرج بالإحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله أحدًا بمثل الإملاء له" [نهج البلاغة، الحكمة 116]، وقال (ع) أيضًا: "يا بن آدم، إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره" [نفسه، الحكمة 25].

الوجه السابع:

ما نراه في بعض الأحايين من ضيق ذات اليد وضعف من الناحية المادية عند المؤمنين لا يتنافى مع حقيقة ارتباط  الرزق بالإيمان؛ ذلك أنّ هذا الوضع عند المؤمن قد يكون ابتلاءً من الله سبحانه واختبارًا لإيمانه  وصبره، فعسى أن ينجح في هذا الاختبار فيكون ذلك سببًا في ارتفاع درجته عند ربه، ووسيلة إلى ظفره برضوانه  وجنانه، مثلما أنّ الغنى أيضًا قد يكون اختبارًا من الباري (عزّ شأنه)، فلعلّ هذا المنعَم  عليه يشكره حق شكره، فيظفر بهذا بما قد تقرّ به عيناه، وهذا ما تحدث عنه الإمام علي بن أبي طالب (ع) إذ قال: "وقدّر الأرزاق فكثّرها وقلّلها، قسّمها على الضيق والسعة فعدل فيها؛ ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيّها وفقيرها" [ميزان الحكمة 4: 104].

القضية، إذن، هي أنّ السُنة الكونية الإلهية الأصلية تقتضي ارتباط الرزق بالعمل والكسب والجد، لكن ثمة سنة إلهية أخرى حاكمة على هذه السُنة، ألا وهي سُنة الابتلاء والامتحان، وهي قد تقتضي تقتيرًا في رزق المؤمن المتقي وتوسعةً في رزق غيره، وفق الامتحان الذي أعدّه الله سبحانه لكل منهما.

الوجه الثامن:

ليس الرزق الإلهي للإنسان مقتصرًا على الرزق المادي وحده، فثمة مظاهر وتجليات للرزق ليست مادية، بل هي معنوية ونفسية وروحية، وهذه لا تقلّ أهمية عن التجليات المادية، بل الأصل أنها تفوقها أهميةً وضرورةً في حياة المؤمن. نقرأ في الدعاء مثلًا: "اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبُعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحُرمة" [مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي، الطبعة الحجرية القديمة، ص 116]، فنجد هنا التعبير بالرزق قد تعلّقت به تجليات غير مادية: أن يكون المرء موفقًا لطاعة ربه، وأن يبتعد عن المعصية، وأن تكون نيته دومًا صادقة، وأن يعرف حرمة الأشياء فلا يتعدى حدوده ولا ينتهك أية حرمة في أي مجال.

نعم، الإنسان منا نظرًا لغرقه في الحياة المادية قد لا ينتبه لأهمية هذه النعم غير المادية، وقد لا يستشعر أهميتها في حياته من أساس، فتراه لا يعرف من النعم إلا ما ارتبط بمال أو ولد أو منصب وما إلى ذلك، فإنْ توافرت هذه في حياته عدّ نفسه ثريًا سعيدًا، وإن كان فيها نقص صار يدعو ثبورًا، دون أن يخطر له ببال أنّ الله تعالى قد أغدق عليه من سوى هذه الكثيرَ الكثيرَ من نعمه غير المادية. هذا الإنسان المادي الجاهل هو الذي عناه رسول الله (ص) بقوله: "من لم يعرف لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب قصر علمه ودنا عذابه" [ميزان الحكمة 10: 122].

وإذ قد اتضح هذا، فينبغي أن يتضح ما أراده هذا الوجه الثامن الذي نحن بصدده، فكون الرزق على نحوين (مادي وغير مادي) يستدعي ألّا يكون ثمة تنافٍ بين الارتباط بالعمل والكسب من ناحية، والارتباط بالإيمان والتقوى من ناحية أخرى؛ ذلك أنّ الرزق المرتبط بالناحية الأولى هو الرزق المادي، في حين أنّ الرزق المرتبط بالناحية الأخيرة هو الرزق غير المادي، فلكلٍ مجالُه المختص به، بلا منافاة أو تعارض.

الوجه الأخير:

الرزق المادي – إذا قصرنا نظرنا عليه – ليست أسبابه منحصرةً في الأسباب المادية وحدها. نعم، الأسباب المادية مهمة ومطلوبة، كالاكتساب والعمل وبذل الجهد والسعي، لكن النصوص الشرعية دلّتنا على أنّ هناك أسبابًا معنوية وروحية ونفسية لا تقلّ عنها أهمية. ولمّا كانت هذه الأخيرة يُؤمل وجودها في الإنسان المتقي أكثر من غيره، لم يكن ارتباط الرزق بالإيمان والتقوى مستغربًا، ولا متنافيًا مع ارتباطه بالعمل والسعي.

لقد علّمتنا الروايات المباركة الواردة عن النبي وأهل بيته المعصومين (عليهم صلوات الله وسلامه) أنّ للرزق أسبابًا قد نغفل عنها في كثير من الأحيان، في غمرة سعينا المحموم اللاهث وراء كل ما هو مادي دنيوي. ومن هذه الأسباب:

1-                التوكل على الله: فمن يتوكل على الله، كما ينبغي له، يزدد رزقه وتنزل عليه البركة الإلهية، هذا ما صرّح به الصادق الأمين (ص): "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" [ميزان الحكمة 4: 113].

2-                دوام الطهارة: المستفاد من النصوص الشرعية أنّ من المستحب أن يكون المرء على طهارة طوال الوقت، فكلما أحدث توضأ، ولا يدع الكون على وضوء حتى حينما يذهب إلى فراشه للنوم. وتتأكد أهمية الكون على الطهارة حينما يخرج من داره لحاجة ما؛ لأجل أن يكون موفقًا في مسعاه. وقد رُوي أنّ رجلًا قال للرسول الأكرم (ص): أحب أن يُوسّع عليّ في الرزق، فما كان منه (ص) إلا أن دلّه على هذا السبيل: "دُمْ على الطهارة يُوسّع عليك في الرزق" [نفسه 4: 118].

3-                ذكر الله تعالى: إيماننا بأنّ الله تعالى هو مسبب الأسباب، وبيده مقاليد كل شيء، ومفاتح الغيب، ينبغي أن يجعلنا على ثقة من أنه – سبحانه – سيذكرنا بما ينفعنا كلما ذكرناه، ويعطينا كلما سألناه، فهو الغني الجواد الرحيم بعباده. وقد أعطت الروايات الشريفة بعضَ الأوقات ميزة خاصة في اجتلاب الرزق إذا استفاد منها المؤمن في ذكر ربه، ولا سيما المدة الفاصلة بين بزوغ الفجر وطلوع الشمس، فقد ورد عن الإمام محمد الباقر (ع) أنه قال: "الأرزاق موظوفة مقسومة، ولله فضل يقسّمه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وذلك قوله: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ [النساء، الآية: 32]، ثم قال: "ذكر الله بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض" [ميزان الحكمة 4: 116].

إنّ ترجيح الإمام الذكر بين الطلوعين على الضرب في الأرض ليدل بجلاء على أنه (ع) يحدّثنا عن سبب معنوي مستقل عن الأسباب المادية التي عهدناها وألِفناها في حياتنا المادية، وهو ما يذهب إليه هذا الوجه الأخير من الوجوه المتعددة التي نقلناها في الإجابة عن أصل إشكال ارتباط الرزق بالإيمان.

4-                التقوى العملية: فإذا تحرّى المرء الطرق المحللة في كسبه، وبذل وُسعه في ألّا يطعم نفسه وعياله إلا من الحلال، فإنّ الله سبحانه يفتح لهذا العبد خزائن رزقه. كيف لا؟ وهو القائل في محكم كتابه المجيد: ﴿ومن يتّقِ الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [سورة الطلاق، الآبة: 3]، وقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: "عليك بلزوم الحلال، وحسن البرّ بالعيال، وذكر الله على كل حال" [ميزان الحكمة 2: 508].

وفي مقابل هذا، نجد الروايات الشريفة أفادتنا أيضًا أنّ اكتساب المال بالطرائق غير المشروعة لا يقود إلا إلى الفقر، فعن سيد الخلق محمد (ص) أنه قال: "من كسب مالًا من غير حِلّه أفقره الله" [نفسه 9: 294]. لا بل إنّ الروايات صرّحت بأنّ للذنوب بصفة مطلقة – حتى إذا لم تكن مرتبطة بالكسب وجني المال – ارتباطًا سلبيًا عكسيًا بالرزق، فعن الإمام الباقر (ع) أنه قال مثلًا: "إنّ العبد ليذنب الذنب فيُزوى عنه الرزق"[نفسه 4: 118].

وتزداد القضية خطورة وحراجة حينما يكون مال المرء ناتجًا من منعه حقوق الناس الآخرين عنهم، وفي هذا ورد الحديث النبوي الشريف: "من حبس عن أخيه المسلم شيئًا من حقه حرّم الله عليه بركة الرزق إلا أن يتوب" [نفسه].

5-                فعل الخير والمعروف من الجهة المادية: أي أنّ الإنسان كلما زاد إتيانه بأعمال الخير التي يفيد بها الناس من حوله، زاد الله تعالى في رزقه جزاءً له على معروفه. وهذا المعنى وارد في روايات متعددة، كقول الرسول (ص): "الرزق أسرع إلى من يطعم الطعام من السكين في السنام" [ميزان الحكمة 4: 117]، وقول الإمام علي (ع): "أكثروا من الصدقة تُرزقوا" [نفسه 4: 118]، وقول الإمام الصادق (ع): "إنّ البر يزيد في الرزق" [نفسه 4: 117].

وتؤكد الروايات، في هذا المجال، أنّ هذا الخير ينبغي أن ينال الأقربون والأهلون نصيبهم منه قبل غيرهم، فعن الإمام الصادق (ع) أنه قال: "من حسن برّه أهلَ بيته زيد في رزقه" [نفسه].

6-                الخير من الجهة غير المادية: إنّ الإسلام لا يقتصر في تحريك أتباعه باتجاه الخير على الجهة المادية وحدها، فثمة أيضًا الجهة غير المادية التي لا بد أن يعمّ فيها هي أيضًا خير المؤمن ومعروفه. والجميل أنّ الروايات الشريفة قد أبرزت مجموعة من المصاديق الصريحة لهذا الخير غير المادي، فمن ذلك:

أ‌-                  حسن الخلق، فعن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: "في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق" [نفسه]، وعن الإمام الصادق (ع): "حسن الخلق يزيد في الرزق" [نفسه].

ب‌-               الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فقد ورد عن الإمام محمد الباقر (ع) قوله: "عليك بالدعاء لإخوانك بظهر الغيب؛ فإنه يهيل الرزق" [نفسه 4: 118].

           ج- حسن النية، إنّ مجرد كون الإنسان حاملًا في وجدانه نية حسنة – وإنْ لم تتمثل خارجًا في عمله – سبب كافٍ لأن يتفضل الله عليه بزيادة رزقه، ويا لهذا الفضل الإلهي من فضل لا يسع الإنسانَ إلا أن يقف أمامه مشدوهًا حائرًا! جاء في حديث الإمام علي بن أبي طالب(ع): "من حسنت نيّته، زيد في رزقه" [نفسه].

       د- الأمانة، وهذه صفة نفسية خلقية في الأساس؛ لذا عددناها ضمن مصاديق الخير غير المادي، لكن ظهور أثر هذه الصفة خارجًا هو المهم، فالمؤمن لا مناص من أن يكون بالرسول الأعظم الذي عرفه الناس قبل بعثته بـ "الصادق الأمين" مقتديًا، فالأمانة لا بد أن تظهر في كل أقواله وأفعاله، ولا مكان إطلاقًا في حياته للخيانة والغدر، ولا شك أنّ لذلك آثارًا كبرى في حياته، منها زيادة الرزق، فقد قال أمير المؤمنين علي (ع): "استعمال الأمانة يزيد في الرزق" [نفسه 4: 117].

 

 

 

 

 

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.