النّزاعُ بين الزّوجين أسبابه وأضراره وعلاجه
الشيخ حسن عبد الله العجمي
لماذا يقع النّزاع بين الزّوجين؟
لا يشتعل حريقٌ من غير نار، ولا يقع نزاعٌ من غير سبب، والأسبابُ التّي تُشعلُ نار الخلاف بين الزّوجين كثيرةٌ، لكنّها ترجعُ في الغالب إلى أمور يمكن تلافيها لو انتبه إليها الزّوجان في الوقت المناسب.
السّببُ الأوّل: أن يدخل أحد الزّوجين الحياة الزّوجيّة وهو يحمل في نفسه ما رآه في بيت أبويه. فمن رأى في صغره أباه يعامل أمّه بقسوةٍ، صارت هذه القسوةُ في نظره شيئًا عاديًّا يمارسه مع زوجته دون أن يشعر، ومن رأت في صغرها أمّها تُذلّ أباها بالكلام، صار هذا الأسلوب عاديًّا لديها، وهذا الميراث الخفيّ من أخطر ما يحمله الإنسان من بيت أبويه إلى بيته الجديد.
السّببُ الثّاني: سوءُ الخلق وضيق الصّدر. فما من بيت فيه رجلٌ سريعُ الغضب عبوسُ الوجه، أو امرأةٌ حادّةُ اللسان ضيّقةُ الصّدر، إلّا كان بيتُهم إلى النّزاع أقرب منه إلى السّكينة، وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا المعنى قوله: "ما زوي الرّفق عن أهل بيت إلّا زوي عنهم الخير" [الكافي 2/119]. فإذا خرج الرّفق من البيتِ خرج الخير كلّه معه، فلا بركة في مال، ولا سكينة في نفس، ولا محبّة بين قلبين.
السّببُ الثالث: أن يتوقّع كلّ واحد من الزّوجين أن يكون الآخر كاملًا لا عيب فيه. وهذا الوهمُ من أخطر ما يهدم البيوت، فالرّجل يدخل الزّواج وفي ذهنه صورةٌ لزوجة خياليّة، والمرأةُ تدخل الزّواج وفي ذهنها صورةٌ لزوج خيالي، فإذا اصطدما بالواقع صدما، وإذا صدما بدأ الخلاف، والعلاجُ نقلَه الإمام الصادق عليه السلام فقال: "لا غنى بالزّوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبّتها وهواها، وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها" [ميزان الحكمة 2/1158].
السّببُ الرّابع: قِلّةُ الكلام الطيّب بين الزّوجين. فكثيرٌ من الأزواج لا يتكلّمون في البيت إلّا عن الطّعام والفاتورة والأولاد، ولا يعرفون معنى الكلمة الحلوة التي تدخل السّرور على قلب الزّوجة، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، أيْ عاملوهنّ بالطّريقة الطيّبة التي يعرفها الناس ويرضونها، وقد وصف الرّسول صلّى اللهُ عليه وآله خير الرّجال فقال: "خير الرّجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنون عليهم ولا يظلمونهم" [مكارم الأخلاق، ص 217].
السّببُ الخامس: تدخّلُ الأهل في شؤون الزّوجين. فالأمّ تتّصلُ بابنها كلّ يومٍ لتشتكي من زوجته، والأبُ يتدخّلُ في كيفية إنفاق ابنه على بيته، والأختُ تتدخّل سلبًا بين أختها وزجها، وهكذا يصير البيت الصّغير مسرحًا لكلّ العائلة الكبيرة، فتضيع الخصوصيّةُ وتنشأُ المشاكل.
السّببُ السّادس: ضيقُ الحال المادّي. فقد أصبح الغلاءُ عبئًا ثقيلًا على كثيرٍ من البيوت، والزّوج يعمل ليل نهار ولا يكفي دخله، والزّوجةُ ترى أنّ زوجها لا يوفّرُ لها ما يوفّرُه الآخرون لزوجاتِهم، فتقعُ المقارنةُ، وتقعُ المشاكل.
السّببُ السّابع: فتنةُ الهاتف والإنترنت. فقد أصبح الهاتف في بيوتنا اليوم عدوًّا يجلس بين الزّوجين ويأخذ كلًّا منهما إلى عالم بعيد عن الآخر، وأصبحت المرأةُ ترى بيوت الآخرين على شبكات التّواصل فتقارن بيتها بها، ويرى الرّجلُ حياة الآخرين فيتحسّر على ما ليس عندَه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من أتبع بصره ما في أيدي النّاس كثر همّه ولم يشف غيظه" [الكافي 2/315]. أيْ: من يقضي وقتَه يراقبُ ما عند الآخرين، سيبقى حزينًا طول عمره، ولن يهدأَ غضبه أبدًا.
السّببُ الثّامن: تسلّطُ أحد الزّوجين على الآخر. فبعض الأزواج يعامل زوجته كأنّها خادمةٌ في بيته، لا كأنّها شريكةُ حياته، وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة" [الكافي 5/510]. فإنّ المرأة زهرةٌ عطرةٌ تحتاج إلى رعايةٍ ولطفٍ، وليست عاملةً في مزرعةٍ تُحاسب على كلّ كبيرةٍ وصغيرة.
أضرارُ النّزاع الزّوجي
إذا اشتعل النّزاع في البيت فإنّ ناره لا تحرق الزّوجين وحدهما، بل تمتدّ لتحرق كلّ من في البيت ومن حول البيت.
أوّلًا: الأضرار على الزّوجين نفسيهما. أوّلُ ما يفقدُه الزّوجانِ بسبب النّزاع هو راحةُ البال التي وعدهما الله بها في قوله: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]. فحيث لا راحة، لا نوم هانئ، ولا شهيّة للطّعام، ولا فرح بشيءٍ من متاع الدّنيا. وقد يصلُ الأمرُ بالبعض إلى الأمراض الجسديّة كضغط الدّم، وأوجاع القلب، والقولون، وغيرها ممّا يعرفُه الأطباءُ اليوم.
ثانيًا: الأضرارُ على الأولاد. فالطفل يحملُ صورة بيته معه إلى آخر عمره، فإنْ كانت الصورة سيّئةً حمل معه أثرها إلى بيته الجديد، وإلى علاقاته بالنّاس، وإلى إيمانه بالله.
ثالثًا: الأضرارُ على المجتمع. فمُشكلةٌ في بيتٍ تنتقلُ إلى الأقارب، ثمّ إلى الجيران، ثمّ إلى الأصدقاء، حتّى يصير الحديث عنها في المجالسِ حديث النّاس. ومتى انتشرت المشاكلُ الزّوجيّةُ في مجتمع خاف الشّباب من الزّواج، وأحجموا عنه، وتأخّرت أعمارُ الزّواج، فوقع من الفساد ما لا يعلمُه إلّا الله.
كيف نعالج هذا النّزاع؟
إنّ الشرع لم يتركنا في هذه المشكلة بلا حلٍّ، بل رسم لنا طريقًا واضحًا في القرآن والسنَّةِ وأقوال الأئمة عليهم السلام، وسأذكرُ الحلولَ في خمس خطواتٍ يمكن لأيّ زوجين أن يبدآ بها.
الخطوةُ الأولى: ابدأ بنفسِك قبل أن تبدأ بشريكك. اجلسْ ساعةً وحدك، واسأل نفسك سؤالًا صادقًا: هل أنا فعلًا سبب المشكلة، أم أنّ زوجتي هي السبب، أم كلانا؟ ولا تتسرّع في الجوابِ، بل انظر في نفسك نظرةً صادقة. وقد قال اللهُ تعالى واصفًا نبيّه صلى الله عليه وآله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. ومعناها: لولا أنّ الله رحمَك يا محمّد فألان قلبَك على أصحابك، لتركوك وذهبوا. وإذا كان هذا في علاقة النّبي صلى الله عليه وآله بأصحابه، فما بالك في علاقة الزوج بزوجتِ؟
الخطوةُ الثانية: عوّد نفسك على المصالحة السّريعة. لا تنتظرْ حتّى تكبر المشكلة، بل بادر بالمصالحة حال وقوعها. والكلمة الطيّبة لها في القلب ما ليس لغيرها، وقد وصف الإمام الصادق عليه السلام خير النّساء فقال: "خير نسائكم التي إن غضبت أو أغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتّى ترضى عني" [من لا يحضره الفقيه 3/389]. تأمّل في هذا الكلام: خيرُ النّساء هي التي تبادر إلى إرضاء زوجها، حتّى لو كانت هي المظلومة، وتقول له: لن أنام حتّى ترضى عنّي. وهذا معنى عظيمٌ يجهلُه كثيرٌ من الأزواج اليوم، ظنًّا منهم أنّ الاعتذار ضعفٌ، والحقيقةُ أنّ الاعتذار قوّة.
الخطوةُ الثالثة: عامل زوجتك برفق، ولا تحاسبها كأنّها موظّفةٌ عندك. تذكّر دائمًا قول أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: "فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة فدارها على كلّ حال وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك" [من لا يحضره الفقيه 4/392]. أي: أنّ المرأةُ زهرةٌ تُروى برفقٍ، فإذا أحسنت صحبتها صفت حياتك.
وقد رسم الله في القرآن خطوات للتعامل مع نُشوز الزّوجة (أي إذا خرجت عن طاعة زوجها بغير حقّ) فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]. وهذه ثلاث خطوات من الأخفّ إلى الأشدّ: أوّلًا: الموعظة بالكلام الطيّب والتذكير باللهِ. ثانيًا: الهجر في المضجع، أي في السّرير فقط، لا في الكلام ولا في المعاملة اليوميّة. ثالثًا: الضّرب الذي فسّره أهلُ البيت عليهم السلام تفسيرًا لطيفًا، فقد قال الإمام الباقر عليه السلام إنّ الضّرب المذكور في الآية هو "الضرب بالسواك". [تفسير جوامع الجامع 1/396]. والسّواك عود صغير لا يؤذي ولا يجرح، وإنّما هو رمزٌ للتنبيه لا للإيذاء، فمن ظنّ أنّ الإسلام أباح ضرب المرأة ضرب العصا فقد جهل الإسلام.
الخطوةُ الرّابعة: إذا كبرت المشكلة اطلب حكمين من الأهل. إذا وصل الأمر إلى درجة لا يستطيع الزّوجان معها حلّ المشكلة بأنفسِهما، أرشدَ اللهُ إلى حلٍّ ذكيٍّ في كتابِه فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. أي: ابعثوا رجلًا حكيمًا من عائلة الزّوج، ورجلًا حكيمًا من عائلة الزّوجة، واجعلوهما يجلسان مع الطّرفين ويحاولان الإصلاح.
الخطوةُ الخامسة: ارجع إلى الله بالدّعاء. هذه أهمّ خطوة، وهي التي كثيرًا ما ننساها. فاللهُ سبحانه علّق التوفيق بين الزّوجين على نيّتِهما فقال: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. أي: إذا نوى الزّوجانِ حقيقةً أن يُصلِحا ما بينهما.
واعلم أخي القارئ، أختي القارئة، أنّ بيتك أمانةٌ في عنقك، وأنّ الله سيسألك عنه يوم القيامة. والشّيطان لا يريد لبيتك إلّا الخراب، وهو يقف على الأبواب يبحث عن مدخل يدخل منه، فإذا اختلفت مع زوجتك، فتذكر أنّ الشّيطان يفرح باختلافكما، وأنّ الله يحبّ إصلاحكما، وأنّ أولادك يعانون من نزاعكما.