من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى                برّ الوالدين من أكرم الطباع                الطيّبات والرزق الحقيقي                ثلاثية السّعادة               من قواصم الظهر                دور المال في فساد الإنسان (1)               أهل البيت والقرآن الكريم               الصدق والكذب                حرث الدنيا وحرث الآخرة               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
275979
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات قرآنية
 
 
عبادة الهوى
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/09/11 - [المشاهدات : 20]
 

 عبادة الهوى

الشيخ الدكتور إحسان صادق اللواتي

المصدر كتاب "العبادة والعبوديّة"

قال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، أفلا تذكّرون﴾. [سورة الجاثية، الآية 23].

تتناول هذه الآية المباركة صورة للعبادة مخالفةً تمامًا للصورة التي تقدمت في الآية السابقة من سورة الذاريات، فلئن كانت تلك قد تحدثت عن عبادة الله تعالى وكونها غايةً للخلقة، فإنّ هذه تعرض للعبادة عندما تنحرف عن صراطها السويّ لترتبط بالهوى النفسي.

وذكرت المعاجم اللغوية أنّ "الهوى مقصور، مصدر هَوِيته، من باب تعب، إذا أحببته وعَلِقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء، ثم استعمل في ميل مذموم فيقال: اتّبع هواه، وهو من أهل الأهواء". [المصباح المنير، أحمد الفيومي المقريّ، مادة "هوي"].

تبتدئ الآية باستفهام: ﴿أفرأيت﴾، وقد ذكر المفسرون أنه تعجيبي، أي يراد منه إدخال التعجب في نفس الرسول الأكرم محمد (ص)، والمعنى: تعجّب يا محمد ممّن اتخذ إلهه هواه!

لكن، ما معنى كونه ﴿اتخذ إلهه هواه﴾؟

اختلف المفسرون في المراد نتيجة اختلافهم في حصول التقديم والتأخير أو عدم حصولهما في المفعولين:

فأما على القول بعدم الحصول – أي أنّ الإله هو المفعول الأول والهوى هو المفعول الآخر – فيكون المراد: تعجّب يا محمد ممّن اتخذ معبوده ما يهواه، فإذا هو أحب شيئًا وهواه اتخذه إلهًا معبودًا!

وقد نقل السيوطي عن ابن عباس أنه قال: "كان الرجل من العرب يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾". [الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، 5: 758].

وأما على القول بحصول التقديم والتأخير في المفعولين – بأنْ يكون الهوى هو المفعول الأول والإله هو المفعول الآخر المقدّم – فإنّ المعنى يكون: تعجّب يا محمد ممّن اتخذ هواه إلهًا معبودًا! وهو المعنى الذي تحدّث عنه الحديث النبوي الشريف: "ما تحت ظل السماء من إله يُعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متّبع". [ميزان الحكمة 10: 377].

 وبناءً على هذا المعنى ينفتح المجال لإثارة سؤال بلاغي عن الغرض من تقديم المفعول الآخر على المفعول الأول، فهذا مخالف للأصل، ويعدّ خروجًا عن مقتضى الظاهر، فما سببه؟

أجاب المفسرون عن هذا السؤال إجابات عدّة، لعلّ أبرزها ما ذكره العلامة الطباطبائي من أنّ تقديم "إلهه" على "هواه" إنما هو للإشارة إلى أنه يطيع هواه مع علمه ويقينه بأنّ له إلهًا حقًا – وهو الله تعالى – يجب عليه أن يعبده. [الميزان في تفسير القرآن 18: 172].

وهذه، في الواقع، طامّة كبرى وداهية عظمى: أنْ يكون الإنسان مؤمنًا بالله سبحانه من الناحية النظرية، لكنه في واقعه العملي يسير في طريق عبادة الهوى الذي يسيطر على النفس حتى يستعبدها، مثلما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (ع): "الهوى إله معبود". [ميزان الحكمة: 10: 376].

أسباب عبادة الهوى:

لا ينبغي لنا أن نمرّ بهذه الحقيقة مرورًا سريعًا سطحيًا دون أن نقف عندها لنتساءل: ما الأسباب التي تجعل للهوى كل هذا التأثير في النفس البشرية، حتى إنّ الإنسان قد يتبعه، عبدًا خاضعًا ذليلًا، مع يقينه بخطأ ما يفعل؟

يمكن هنا بيان مجموعة من الأسباب لذلك:

1-الهوى يُعمي صاحبه ويصمّه عن الآثار السلبية التي ستنجم عن اتّباعه له، وهذا ما نبّه عليه الإمام علي (ع) بقوله: "من اتّبع هواه أعماه وأصمّه وأذلّه وأضلّه". [نفسه 10: 378].

ونقرأ في التاريخ أمثلة كثيرة لأناس ألحّ عليهم الهوى حتى عموا وصمّوا عن نتائجه الضارّة، منهم ثعلبة بن حاطب الذي استولى على قلبه حب المال، فطلب من رسول الله (ص) أن يدعو له بأن يرزقه الله مالًا، وتعهّد بأن يعطي كل ذي حق حقه إن تحقق له ما يريد، فما كان من الرسول (ص) إلا أن حذّره من عاقبة ما يهواه، قائلًا: "ويحك يا ثعلبة، قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيق شكره"، لكن ثعلبة سيطر هواه عليه فجعله لا يعير هذا التحذير النبوي الصريح اهتمامًا، وأصرّ على النبي بالدعاء، فدعا له (ص)، واتّجر واشترى غنمًا، فبورك له فيها حتى جعلته كثرة الأغنام يترك المدينة ولا يشهد مع رسول الله (ص) جمعة ولا جماعة ولا جنازة، وانتهى به الأمر إلى الامتناع عن أداء الزكاة، بل إلى إنكار وجوبها قائلًا: "ما هذا إلا جزية"، فنزل قوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين * فلمّا آتهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. [سورة التوبة، الآيات 75- 77، وقصة ثعلبة مذكورة بالتفصيل في الدر المنثور للسيوطي 3: 467].

2- لا يكتفي الهوى بما تقدم ذكره من إلهاء الإنسان عن آثاره السلبية حتى يجعل هذا الإنسانَ يراه أجمل مما هو عليه في الواقع، أي أنه "يزيّن" له اتّباعه، فينخدع به ويسير وراءه عن طواعية وطيب خاطر، متوهمًا أنه يسير نحو ما فيه الخير والمصلحة! وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زُيّن له سوء عمله واتّبعوا أهواءهم﴾. [سورة محمد، الآية: 14].

ولا يعدم المرء في الحياة من حوله أمثلة لأناس يرتكبون بعض المعاصي ويأتون بعض المحرّمات الشرعية لأنّ الهوى جعلهم يرون في ذلك إيجابيات معيّنة، تضخمت في نفوسهم حتى جعلتهم يستصغرون الشرع الإلهي ويجرؤون على مخالفته. فثمة من يرى في الاستماع للغناء راحة نفسية عظيمة لا ينبغي التفريط بها في حال من الأحوال، وهناك من يزعم أنّ الاختلاط المحرّم بين الجنسين بات ضرورة يتطلبها العصر، وأنّ الأحكام الشرعية المتعلقة بحجاب المرأة وزينتها وقوامة الزوج ونصيب الأنثى من الميراث وغيرها، هي أحكام لوقتها، وما عادت صالحة لهذا الزمان. ولا تغيب عن المتابع الدعواتُ المشبوهة التي تنادي بإبعاد الشرع الإسلامي عن المجالات الاقتصادية والسياسية والتشريعات القانونية!

1-قد تكون شدة تأثير الهوى راجعةً إلى ضيق نظرة كثير من الناس الذين لا يرون إلا اللذائذ الدنيوية وحدها، فهي – على الرغم من كونها قليلة زائلة – شغلهم الشاغل وهمّهم الأعظم، من دون أن يلقوا بالًا أو اهتمامًا باللذائذ الأخروية العظيمة الباقية، مع أنهم من المفترض فيهم كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر!

يروى عن الزاهد المعرف شقيق البلخي أنه دخل يومًا على هارون الرشيد، فسأله: أنت شقيق الزاهد؟ فأجابه: أنا شقيق، أما الزاهد فهو أنت! تعجّب هارون من هذا الجواب، فسأله: كيف ذلك؟ هنا أجاب شقيق بكلمة مؤثرة بليغة كانت كفيلة بتنبيه هارون إن كان ممن ينتبه: "لأني زهدت في الدنيا وتركتها، وما تكون الدنيا؟ فإنها حقيرة ما تعادل جناح بعوضة، وأما أنت فزهدت في الجنة وحورها وقصورها وتركتها، فهمّتك أعلى من همّتي". [لآلئ الأخبار، التوسيركاني، 5: 473].

2- قوة الهوى في النفس تتناسب تناسبًا عكسيًا مع قوة الإيمان؛ لذا يكون ضعف الإيمان عند الإنسان من أهم أسباب قوة الهوى في داخله، فكلما ابتعد أحدنا عن ربه وضعفت صلته به وارتباطه بالإيمان به ازدادت سطوة الهوى وجبروته وسلطانه على وجدانه. في حين أنّ المؤمن الحقيقي بالله تعالى لا بد أن يخشاه ويخاف مقامه، وهذا يستلزم أن يتحكم في نفسه وينهاها عن الهوى، فيقوده هذا كله إلى السعادة الأبدية الحقيقية: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإنّ الجنة هي المأوى﴾. [سورة النازعات، الآيتان: 40- 41].

3- لربما تكون عبودية الإنسان لهواه ناتجة من ضعف إرادته، بألّا تكون المشكلة في إيمانه كما تقدم سابقًا، بل تكون المشكلة، في حقيقة الأمر، راجعة إلى ضعف الإرادة التي ينبغي لها أن تجعل الإنسانَ منصاعًا لما يقتضيه إيمانه. وكثيرًا ما يمكن أن تلحظ في أي مجتمع نماذج لأناس يؤمنون بشيء، وتجرّهم أهواؤهم إلى خلاف ذلك الذي يؤمنون به، نتيجة ضعف عزائمهم وإراداتهم، وصدق المتنبي قديمًا إذ قال:

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ                                              وتأتي على قدر الكرام المكارمُ

والحقّ أنّ القضية هنا ذات اتجاهين متبادلين، فقد يكون ضعف الإرادة سببًا في اشتداد الهوى، وقد تكون القضية بالعكس من ذلك، بأنْ يكون الهوى الشديد داعيًا إلى ضعف الإرادة والعزم، مثلما روي عن الإمام أمير المؤمنين علي (ع): "من قوي هواه ضعف عزمه". [ميزان الحكمة 10: 385].

وأيًّا ما كان الأمر، فإنّ المؤمن مطالَب بتقوية إرادته وعزيمته، حتى لا يترك للهوى سلطانًا عليه، بل يكون حينذاك متشبهًا بالملائكة الذين وصفهم الإمام علي (ع) بقوله: "لا تعدو على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات" [نهج البلاغة، الخطبة 91 المعروفة بـ "خطبة الأشباح". ويقال في اللغة: "انتضلت الإبل" أي رمت بأيديها في السير مسرعةً]، ومقتديًا بالمرسلين الذين وصفهم علي (ع) أيضًا قائلًا: "ولكنّ الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفةً فيما ترى الأعين من حالاتهم" [نفسه، الخطبة 192].

 

التعامل الإسلامي مع الحالة:

يسعى الإسلام بكل جوانبه العَقَدية والتشريعية والخلقية إلى بناء شخصية الإنسان المسلم بنحوٍ يكون فيه متحررًا من عبادة الهوى، وبعيدًا عن سطوة غلبته عليه، ويظهر هذا السعي الإسلامي في الأمور المهمّة الآتية:

1-    تذكير الإسلام الإنسانَ بأنه مرتبط مع ربه بعهد يقتضي عدم عبادة الشيطان والإخلاص العبادي لله وحده: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أنْ لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾. [سورة يس، الآيتان 60- 61]

وإذا كان الإنسان مؤمنًا بربه حقًا فإنّ من الواجب عليه عقلًا أن يراعي كل عهوده، لا سيما ما يرتبط منها بربه سبحانه، فعن الإمام أمير المؤمنين علي (ع): "ما أيقن بالله من لم يرعَ عهوده وذممه". [ميزان الحكمة 10: 201].

العقلاء كلهم مجمعون على أنّ من القبيح بالمرء أن يكون متصفًا بصفة خيانة العهد، فما أقبح به، إذًا، أن يتصف بهذه الصفة في نطاق علاقته بربه تعالى!

2-    لئن كان من أسباب سطوة الهوى على الإنسان أنه يزيّن له اتّباعه كما تقدم، فقد سعى الإسلام لأنْ يسير بالإنسان في الاتجاه المعاكس لهذا التزيين، بأنْ بيّن له أنّ اتّباع الهوى لن يقوده إلا إلى الخسارة والسقوط، فمن هذا مثلًا ما روي عن الإمام علي (ع) من قوله: "إيّاك وطاعة الهوى فإنه يقود إلى كل محنة" [نفسه 10: 373]، وقوله (ع) كذلك: "الهوى أسّ المحن". [نفسه].

لقد تقدمت في التاريخ حالات غير قليلة لأفراد وأمم كان اتّباع الهوى السبب الرئيس في سقوطهم وفشلهم، فمن هذه الحالات قصة ذلك الإنسان الذي وصفه القرآن بأنه أوتي آيات الله، لكنه مع ذلك لم ينجُ من الفشل الذريع والانحطاط الوخيم حينما أسلس قياده لهوى نفسه وطاعة شيطانه: ﴿واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه، فمثله كمثل الكلب إنْ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذّبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلّهم يتفكرون﴾، [سورة الأعراف، الآيتان: 175- 176. الرجل المذكور تسميه الأخبار "بلعم بن باعورا"، وتذكر أنه كان رجلًا عابدًا معروفًا معاصرًا للنبي موسى (ع). وقصته المفصلة مذكورة في كتب كثيرة منها مثلًا "الميزان في تفسير القرآن" 8: 337].

وحسبُ المرء أن يجيل نظره، في الوقت المعاصر، إلى الأمم والشعوب الغارقة في عبادة أهوائها والسير وراء ملذاتها الدنيوية الحسية، ليعرف النتائج والآثار الخطيرة المترتبة على ذلك كله: من انحلال خلقي، وتفكيك للأسر والعلاقات الاجتماعية السليمة، وشيوع للجرائم والسرقات، وضياع للذمم والأمانات، واعتداءات على الشعوب والأمم الأخرى والسعي لنهب خيراتها... والقائمة تطول وقد لا تنتهي.

3-    سلب الإسلام من الإنسان ذريعة كبرى لاتّباع هواه، حين جعل دائرة الحلال أوسع بكثير من دائرة الحرام، فلا يستطيع أحد أن يحتجّ لاتّباعه هواه بأنه ما وجد عن الحرام محيصًا، وأنه لو عثر له على بديل لما سلك سبل المعصية.

لقد خلق الله سبحانه هذا الإنسان عارفًا بكل احتياجاته ونقائصه، وقد تكفل له في شرعه الحنيف بتحقيق كل ما يلزمه بالطريقة المثلى والأسلوب الأفضل، وبعد هذا نهاه عن الطرق الملتوية والأساليب المنحرفة التي ليست إلا ضارة ومفسدة، بعد أن أغناه عنها بدائرة الحلال الواسعة. وفي هذا المعنى روي عن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال: " ما نهى الله سبحانه عن شيء إلا وأغنى عنه". [ميزان الحكمة 2:372].

وما دامت في دائرة الحلال مندوحة للمرء عن الولوج في دائرة الحرام، فلا معنى، والحال هذه، أن ينقاد لهواه ويعصي أمر مولاه الذي وفّر له كل ما يلزمه ويحتاج إليه في حياته من طريق الحلال.

4-    نبّه الإسلام الإنسانَ على أنه خاضع لمجموعة من الرقابات في حياته:

أ‌-    فهناك رقابة جوارحه عليه، فهي كلها تشهد على أقواله وأفعاله، وستؤدي هذه الشهادة بوضوح ودقة يوم القيامة: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ [سورة يس، الآية: 65].

ب‌- وثمة رقابة الملكين لكل إنسان منّا: ﴿وإنّ عليكم لحافظين * كرامًا كاتبين * يعلمون ما تفعلون﴾. [سورة الانفطار، الآيات 10 -12].

ج‌-     وأيضًا لا بد أن يكون المؤمن رقيبًا على ذاته، محاسبًا نفسَه، بلا تهاون ولا توانٍ ولا تراخٍ، فعن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: "جاهد نفسك وحاسبها محاسبة الشريك شريكه، وطالبها بحقوق الله مطالبة الخصم خصمه، فإنّ أسعد الناس من انتدب لمحاسبة نفسه". [قصار الجمل، علي المشكيني الأردبيلي، 1/146].

د- والرقابة الأهمّ، أولًا وأخيرًا، هي الرقابة الإلهية، وعنها يقول الإمام علي (ع) في دعائه: "وكنت أنت الرقيب عليّ من ورائهم والشاهد لما خفي عنهم...". [من الدعاء المعروف بدعاء كميل].

إنّ خضوع الإنسان لكل هذه الرقابات المهمة لجدير بأنْ يمنعه منعًا أكيدًا من السير في طريق الهوى الذي يقوده بعيدًا عما يريده الله تعالى منه. لكنّ أمر هذا الإنسان لعُجاب حقًا؛ إذ يمنعه وجود آلة مراقبة صغيرة وضعها إنسان مثله من ارتكاب أية مخالفات للقوانين الوضعية، ولا يمنعه يقينه بوجود كل هذه الرقابات الإلهية المشددة من التجرؤ على الله وأحكامه، خضوعًا لأمر هواه واتّباعًا لما تقتضيه عبادته.

5-    تعدّ قضية الإيمان بالمعاد، وهي من الأصول الاعتقادية الأساسية في الدين، من أهم الضمانات التي يمكن للدين بها أن يضبط سلوك الإنسان ويبعده عن طاعة هواه. ذلك أنّ المعاد معناه الإيمان بأنّ هناك نعيمًا إلهيًا خالدًا لا مثيل له في الدنيا ينتظر الإنسانَ الصالح الذي حارب هواه واتّبع أمر مولاه، وأنّ هناك، في المقابل، جحيمًا خالدًا أيضًا ينتظر من حرمه هواه من طاعة ربه وسلوك سبيله. ولا شك، حين يقف المرء بين هذين الخيارين، أنّ عقله سيدعوه إلى محاربة هواه وعدم عبادته، مهما بلغت إغراءات هذا الهوى وشدة جذبه له، فعن رسول الله (ص) أنه قال: "إنّ الجنة حُفّت بالمكاره، وإنّ النار حُفّت بالشهوات، واعلموا أنه ما من طاعة الله شيءٌ إلا يؤتى في كره، وما من معصية الله شيء إلا يؤتى في شهوة، فرحم الله امرأً نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه"، [ميزان الحكمة 2: 99]. وروي عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "لن يحوز الجنة إلا من جاهد نفسه". [نفسه].

والحقّ أنّ العبد إذا اشتد به الشوق إلى الجنة والخوف من النار فإنّ ذلك كفيل بصرفه عن طاعة هواه، بل لربما يصرفه أيضًا عن التفكير في نفسه مطلقًا، فهذا الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه) يُروى أنه "بكى من خشية الله عز وجل حتى اشتكى بصره، فقيل له: يا أبا ذر، لو دعوتَ الله حتى يشفي بصرك، فقال: إني مشغول، وما هو أكبر همي. قالوا: وما يشغلك عنه؟ قال: العظيمتان الجنة والنار". [نفسه 10: 362].

الإضلال على علم:

     ونعود إلى الآية المباركة، محل كلامنا، لنجدها بعد مقطعها الأول المتعلق بعبادة الهوى تقول: ﴿وأضلّه الله على علم﴾، وهنا شقّان للكلام ينبغي لنا التوقف عندهما:

     فأما الشقّ الأول فهو الحديث عن الإضلال الإلهي للإنسان، فما معناه؟ وألا يلزم من ذلك القول بأنّ هذا الإنسان قد أجبره الله إجبارًا على سلوك طريق الضلال؟ ثم ما معنى أن يعاقبه الله على ذلك إذا كان هو الذي أجبره عليه؟

     أجاب علماء العقيدة والتفسير عن ذلك ببيان أنّ ما ذكرته الآية الشريفة لا يستلزم القولَ بالجبر، وأبرزوا في ذلك وجوهًا عدة، أهمها:

أ‌-      المعنى المقصود هو أنّ الله تعالى أوكلَ الإنسانَ المتّبع لهواه إلى نفسه، فلم يتدخل بقدرته ليوقفه ويمنعه عن اتّباع الهوى، بل تركه ليفعل ما يريده بكامل اختياره، فالإضلال الإلهي هنا معناه عدميّ سلبيّ، أي أنه بمعنى عدم المنع التكويني من جانب الله تعالى.

ب‌-    الإنسان المطيع لهواه هو الذي أوقع نفسه في الضلال، بسوء اختياره، وإنما نُسب الإضلال إلى الله لأنّ الله تعالى هو الذي أوجد قانون السببية وخَلَقه وجعله حاكمًا في الحياة.

الإضلال، بناءً على هذا الوجه، له معنى وجودي، بمعنى كونه سبحانه موجد قانون السببية الذي يقتضي أن يقع الإنسان العابد لهواه في الضلالة مع أنّ هذا الإنسان هو الذي اختار سبب وقوعه في الضلالة ولم يكن مجبورًا عليه. فالحالة هنا تشبه حالة أحدنا إذا أشعل نارًا وأحرق فيها يده اختيارًا، فهنا يرى العقل أنّ هذا الإنسان هو الذي أحرق يده بكل إرادته واختياره، ومع هذا يمكن أن يُنسب الإحراق إلى الله تعالى لأنه هو الذي خلق النار المتصفة بالإحراق.

     وأما الشق الآخر فهو قوله تعالى: ﴿على علم﴾، وفيه إشارة قرآنية لطيفة إلى أنّ هذا الإنسان قد وقع في الضلال وعبادة الهوى مع علمه التام بأنه يسير في طريق الضلال الذي لن يعود عليه إلا بالخسران المبين، وهذا معناه أنّ العلم وحده لا يكفي لضمان الاهتداء، فلربما يكون المرء حاملًا للعلم من دون أن ينتفع به، فيكون مَثَله، في نظر القرآن، كمَثَل الحمار الذي لا ينتفع بالكتب التي يحملها على ظهره: ﴿مَثَل الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمَثَل الحمار يحمل أسفارًا، بئس مثَل القوم الذين كذّبوا بآيات الله، والله لا يهدي القوم الظالمين﴾. [سورة الجمعة، الآية: 5].

     وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: "خير العلم ما نفع". [ميزان الحكمة 6: 259]، وعن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: "خير العلوم ما أصلحك". [نفسه]، وحقًا هي كارثة كبرى أن يكون الإنسان عالمًا بكثير من المعلومات، لكنه، مع هذا، يسلك سلوك الجاهلين في حياته كلها، أو في بعض جوانبها في أقل تقدير، فتكون حالته كحالة أولئك القوم الذين حدّثنا عنهم عمار بن ياسر (رضي الله عنه): "بعثني رسول الله (ص) إلى حي من قيس أعلّمهم شرائع الإسلام، فإذا قومٌ كأنهم الإبل الوحشية، طامحة أبصارهم، ليس لهم همّ إلا شاة أو بعير. فانصرفت إلى رسول الله (ص) فقال: يا عمار ما عملتَ؟ فقصصتُ عليه قصة القوم وأخبرته بما فيهم من السهوة، فقال: يا عمار، ألا أخبرك بأعجب منهم؟ قوم علموا ما جهل أولئك ثم سهوا كسهوهم". [نفسه 6: 498].

الختم والغشاوة والهداية:

     وتنتهي الآية إلى القول: ﴿وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، أفلا تذكّرون﴾، وهنا أيضًا جانبان مهمان:

فأما الجانب الأول فهو الحديث عن كون الله تعالى قد ختم على سمع هذا الإنسان العابد لهواه وعلى قلبه، وجعل على بصره غشاوة، فلا يسمع الحق ولا يراه. وقد ذكر العلامة الطباطبائي أنّ هذا هو كالعطف التفسيري لقوله تعالى المتقدم: ﴿وأضلّه الله على علم﴾ فهو كالبيان لكيفية الإضلال المشار إليه.

     إنّ هذا الكلام ليعيد إلى أذهاننا ما تقدم الحديث عنه من أنّ من أهم أسباب عبادة الإنسان للهوى هو كون الهوى يُعمي صاحبه ويصمّه عن آثاره السلبية الناجمة عن اتّباعه له. ثم إنّ نسبة الختم وجعل الغشاوة إلى الله سبحانه هي كنسبة الإضلال إليه فيما مضى، من جهة شبهة الجبر والإجابة عنها، فلا حاجة بنا إلى إعادة الكلام في الموضوع نفسه.

     وأما الجانب الأخير فهو المتعلق بالهداية، هذه التي لا تكون من نصيب أي إنسان إلا بأمر من الله تعالى: ﴿فمن يهديه من بعد الله، أفلا تذكّرون﴾ فهنا استفهام إنكاري يُبرز أمامنا الحقيقة ناصعةً واضحةً: نفي إمكان الهداية من بعد الله، أي نفي أن يكون في وسع الإنسان الحصول على الهداية المبتغاة من غيره سبحانه، إذ لا هادي سواه. وهذه الحقيقة ألحّ القرآن على إبرازها في آيات متعددة منه، نظرًا لأهميتها ومركزيتها في الفكر العقدي الديني، فقال تعالى: ﴿قل إنّ هدى الله هو الهدى﴾، [سورة البقرة، الآية: 120]، وقال أيضًا: ﴿ومن يضلل الله فما له من هادٍ﴾. [سورة غافر، الآية: 33].

     نعم، إنّ هذا الإنسان ليحتاج دومًا إلى التذكير بمدى حاجته إلى ربه في هذا المجال، إذ لا سبيل للاهتداء، ولا طريق إلى النجاة، إلا بإرادة منه سبحانه وتوفيق، ولولا ذلك لما استطاع هذا الإنسان الاهتداء، ولا بلغ برّ النجاة، مهما زاد علمه وارتفع في الدنيا شأنه ومقامه. ورد في الحديث القدسي: "قال الله جل جلاله: عبادي، كلكم ضالّ إلا من هديته، وكلكم فقير إلا من أغنيته، وكلكم مذنب إلا من عصمته". [ميزان الحكمة 10: 327].

 

 

 

 

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.