دور المال في فساد الإنسان (1)
الشيخ حسن عبد الله العجمي
المصدر كتاب "محاضرات في الدّين والحياة، الجزء الثالث"
للمالِ أهميةٌ بالغةٌ في الحياة، فهو وسيلةٌ لسَدِّ حاجاتِ الإنسانِ وتوفيرِ المعيشةِ الكريمةِ له اللائقةِ به، كما أنّه أحدُ العواملِ الّتي يُستعان بها على طاعةِ اللهِ سبحانه وتعالى؛ فليس بمذمومٍ في دينِ الإسلامِ أن يسعى الإنسانُ لكسبِ المالِ والحصولِ عليه، بل هو مستحَبٌّ ومندوبٌ إليه، وواجبٌ في بعضِ الصُّوَرِ والموارد؛ فسعيُ الإنسانِ في كسبِ المالِ لتوفيرِ ما يحتاجُ إليه منه في معيشةِ نفسِه ونفقةِ عيالِه والتوسعةِ عليهم وإنفاقِه في وجوهِ الخيرِ والبِرِّ والإحسانِ وسائرِ الوجوهِ الّتي يُراد بها وجهُ اللهِ سبحانه وتعالى ممّا هو مطلوبٌ ومرغَّبٌ فيه مِن قِبَلِ الشَّرعِ الشَّريف.
والمذمومُ هو الحرصُ على جمعِه لشِدَّةِ حُبِّ المرءِ له، فيكونُ ذلك شُغلَه الشَّاغلَ وهَمَّه الكبيرَ، بحيث يعيشُ هوسَ جمعِ المالِ وتخزينِه وتكديسِه والتفكيرِ في كيفيَّةِ الحصولِ عليه وسبلِ كسبِه؛ فمَن كان هذا حالُه فهو مُصابٌ بخصلةٍ من الخصالِ الذَّميمة، ألا وهي الحرصُ، وهو من أقوى شُعَبِ حُبِّ الدُّنيا، وحُبُّها رأسُ كلِّ خطيئة؛ ولذلك فإنَّ الحريصَ على جمعِ المالِ يقعُ في كثيرٍ من الخطايا والمخالفاتِ الشَّرعيَّة.
في روايةٍ أنّ الإمامَ أميرَ المؤمنين «عليه السلام» سُئل عن الحرصِ ما هو؟ فقال: «هو طلبُ القليلِ بإضاعةِ الكثير» (بحار الأنوار 70/167)، وهذا هو الواقعُ والحقيقة؛ فمن يسعى سَعيًا حثيثًا لجمعِ المالِ ولا يقفُ عند حدٍّ يكتفي به، انْطِلاقًا من حِرصِه الشديدِ على جمعِه، فإنَّ ما يحصلُ عليه منه - وإنْ حصل منه على الشيءِ الكثيرِ - لا يُساوي شيئًا بالقياسِ إلى الكثيرِ ممّا يضيِّعُه ويخسرُه من أمورٍ بسببِ هذا السَّعي؛ فهو في تعبٍ وعَناءٍ دائمٍ، من جهةِ اشتغالِ ذِهنِه وفِكرِه بالتفكيرِ المستمرِّ في البحثِ عن السُّبُلِ الّتي يمكنُه مِن خلالها أن يحصلَ على المالِ وفي كيفيةِ المحافظةِ عليه، ومن جهةِ صرفِه جزءًا كبيرًا مِن وقتِه في السَّعي لكسبِه، الّذي عادةً ما يكونُ على حسابِ حاجةِ بَدَنِه إلى الرَّاحة، فيُصاب بالإجهادِ والإرهاقِ والعَناء. وهذا ما أكَّدتْ عليه النُّصوصُ الشَّريفة؛ فعن الإمامِ أميرِ المؤمنين «عليه السلام» قال: «الحرصُ عَناءٌ مُؤبَّد». (عيون الحكم والمواعظ، صفحة 30).
قال: «الحرصُ مَطيَّةُ التَّعبِ». (عيون الحكم والمواعظ، صفحة 27).
وقال: «الحريصُ تَعِبٌ». (ميزان الحكمة 1/586).
وقال: «الحرصُ ذُلٌّ وعَناءٌ». (عيون الحكم والمواعظ، صفحة 30).
وقال: «الحرصُ يُذِلُّ ويُشقي». (ميزان الحكمة 1/587).
وقال: «في الحرصِ الشَّقاءُ والنَّصبُ». (عيون الحكم والمواعظ، صفحة 354).
وقال: «أشقاكم أحرصُكم». (مستدرك الوسائل 12/62).
وعن الإمامِ الصَّادق «عليه السلام» قال: «حُرِمَ الحريصُ خصلتَين، ولَزِمَته خصلتَان: حُرِمَ القناعةَ فافتقدَ الرَّاحةَ، وحُرِمَ الرِّضا فافتقدَ اليقين». (الخصال، صفحة 69).
ولأنّه يُصرِفُ جُلَّ وقتِه لاهثًا وراءَ المالِ، فيضيِّعُ عُمرَه فيما لا ينفعُه في آخرتِه، فيُفوِّتُ على نفسِه كثيرًا من فُرَصِ الطَّاعاتِ وأعمالِ الخيرِ والصَّلاح، الّتي تكونُ سببًا لكسبِ الحسنات، وبها ينالُ العبدُ رضوانَ اللهِ جلَّ شأنُه، ويحظى بالدَّرَجاتِ والمَرَاتِبِ الرَّفيعةِ في الآخرة.
ولأنّه يعيشُ حالةَ الشُّحِّ والبُخْلِ بالمالِ، نفسُه لا تُطاوِعُه أن يُنفِقَ منه شيئًا، فيُحرِمُ نفسَه من أجرِ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ جلَّ شأنُه، وهو أجرٌ عظيمٌ وكثير، سواءٌ من جهةِ الحسناتِ الّتي يحصُلُ عليها المنفق، أو من جهةِ النَّماءِ والزِّيادةِ في المالِ، أو من جهةِ آثارِ الإنفاقِ الأخرى. بل إنّ الحريصَ عادةً ما يَمتَنِعُ حتى عن دفعِ الحقوقِ الشَّرعيَّةِ الواجبةِ في مالِه من الزَّكاةِ والخُمُسِ وغَيرِهما، فيُعرِّضُ نفسَه بذلك للعذابِ والعقابِ الإلهي.
ولأنّ كثيرًا من الأمورِ المهمَّةِ في حياةِ الإنسانِ - الّتي قد يكونُ بعضُها واجبًا عليه أو حقًّا له تجاهَ غيرِه - تحتاجُ منه إلى صرفِ مقدارٍ من الوقتِ في أدائِها، فيكونُ الحريصُ مقصِّرًا فيها: إمّا تَقصيرًا تامًّا بتركِها بالكليَّة، أو بعدمِ قيامِه بها تامَّةً على الوجهِ المطلوب. فمِن هذه المسؤوليَّاتِ الملقاةِ على الوالدينِ تجاهَ الأبناءِ تربيتُهم وتنشئتُهم تنشئةً صحيحةً صالحةً، وليس ذلك بالأمرِ السَّهلِ ولا اليسير، بل ممّا يحتاجُ إلى جَهدٍ جَهيد. كما يحتاجُ من الوالدينِ إعطاءُ جزءٍ مِن وقتِهما للقيامِ بهذه المسؤوليَّة، والحريصُ على جمعِ المالِ ليس لديه الوقتُ الكافي للقيامِ بذلك. الأمرُ الّذي ينتقلُ معه عَبءُ تربيةِ الأبناءِ كلُّه على الأمِّ، الّتي لا شَكَّ أنَّها ستُلاقِي صعوبةً في ذلك مع تخلِّي الأبِ عن مسؤوليتِه، وتزدادُ الصُّعوبةُ ويكبُرُ العَبءُ إذا تعدَّدَ الأبناء، فيحصُلُ التَّقصيرُ في تربيتِهم. هذا إذا قامت الأمُّ بمسؤوليَّتِها هذه تجاهَ أبنائِها، ومع تقاعُسِها وتخلِّيها عنها يكونُ حالُ الأبناءِ كحالِ اليتيمِ الّذي فقَدَ والديه، فيعيشون بغيرِ أن يتلقَّوا التَّربيةَ الّتي تجعلُ منهم أفرادًا صالحينَ مستقيمينَ في حياتِهم؛ فربَّما ينحرفُ بعضُهم ويتَّجِهُ نحوَ فعلِ القبائحِ والجرائمِ وممارسةِ ما يُخالفُ الدِّين، ممّا يلحقُ بالوالدينِ الأذَى والسُّمعةَ السَّيِّئة. وهذه خسارةٌ كُبرى تلحقُ بالأبِ المسكينِ الحريصِ على جمعِ المالِ، وهي أثرٌ من الآثارِ السَّلبيَّةِ الخطيرةِ لخصلةِ الحرص.
ثم إنّ الحريصَ قد يخسرُ زوجتَه ويُهدِم أُسرتَه؛ لأنَّ من أهمِّ أسبابِ عدمِ استقرارِ الحياةِ الزَّوجيَّةِ وبقائها: عدمُ اهتمامِ الزَّوجِ بزوجتِه وإهمالُها، وقضاءُ أكثرِ وقتِه بعيدًا عنها، لا سيَّما إذا كان يُسافِرُ فيبتعدُ عن البيتِ لأيامٍ وأُسابيعٍ أو لشُهورٍ، وتقصيرُه في بعضِ حقوقِها كحقِّ النَّفقةِ مثلًا. والحريصُ عادةً ما تكونُ هذه الأسبابُ مُتحقِّقةً لديه، فهو يقضي أغلبَ وقتِه خارجَ البيتِ، فليس لديه الوقتُ الكافي للاهتمامِ بزوجتِه والجلوسِ معها والإسكانِ إليها. ولأنّه يُحبُّ المالَ حُبًّا جمًّا فهو يَشَحُّ ويَبخَلُ به، فيُقصِّرُ في حقِّ زوجتِه من النَّفقةِ وغيرها. وليس كلُّ النِّساءِ يصبرنَ على مثلِ هذا التَّقصير، فللتخلُّصِ من ذلك تطالِبُ بالطَّلاقِ والانفصال؛ فبسببِ الحرصِ قد تنهارُ أُسرةُ الحريصِ، فيخسرُ زوجتَه ويتشتَّتَ أبناؤُه.
والحريصُ عادةً لا يَهُمُّه من أين يحصلُ على المالِ، فالمهمُّ عنده اكتسابُه والحصولُ عليه، سواءٌ أكان ذلك من طريقِ الحلالِ أم مِن الحرامِ، مِن طريقٍ مشروعٍ أم غيرِ مشروع؛ فيُمارسُ المعاملاتِ المحرَّمةَ ويعتدي على أموالِ الآخرين، فيُوقعُه حِرصُه في ذنوبٍ كثيرةٍ عظيمةٍ، كثيرٌ منها ممّا وردَ الزَّجرُ والنَّهي الشديدُ عنه، وممّا توعَّدَ اللهُ سبحانه وتعالى عليها بالنَّارِ والعذابِ الأليم، كالرِّبا وأكلِ أموالِ اليتامى وأكلِ مالِ الغيرِ بالباطلِ وغيرها.
قال تعالى عن أكلةِ الرِّبا: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. (البقرة: 275).
وقال عن أكلةِ أموالِ اليتامى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}. (النساء: 10).
وقال في النَّهيِ عن أكلِ أموالِ الغيرِ بالباطل: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. (البقرة: 188).
وهناك روايةٌ عن الإمامِ الكاظم «عليه السلام» يقول فيها: «إنَّ الحرامَ لا ينمُو، وإنْ نمى لم يُبارَك فيه، وإنْ أنفقَه لم يُؤجَر عليه، وما خَلَّفه كان زادَه إلى النَّار». (جامع السّعادات 2/128).
وهذه الرِّوايةُ صريحةٌ في أنّ المالَ الّذي يجمعُه الإنسانُ ويُحصِلُ عليه من الحرامِ قد لا ينمُو، وإنْ حصل ونَما فلا بركةَ فيه، وإنْ أنفقَ منه شيئًا فلا يُؤجَر على إنفاقِه؛ فمعتقدُ بعضِ الناسِ الّذين يكتسبون المالَ مِن غيرِ حِلِّه بأنَّهم يُؤجَرون على إنفاقِهم منه في وجوهِ الخيرِ مُجرَّدُ اعتقادٍ وتوهُّمٍ باطل، فلا يُؤجَرون عليه أبدًا وبَتاتًا، بل إنّهم يُؤثَمون على ذلك.
اسمعوا هذه الحكاية؛ يُنقَل أنّ الإمامَ الصَّادق «عليه السلام» سمع برجلٍ تعظِّمُه النَّاسُ وتكبِّرُ مِن شأنِه، فأحبَّ لقاءَه مِن حيثُ لا يعرفُه، فرآه مرَّةً فتبِعَه فمرَّ هذا الرَّجلُ بخبَّازٍ فتغفَّلَه فأخذ مِن دُكانِه رغيفَين مسارقةً. يقولُ الإمام «عليه السلام»: «فتعجَّبتُ منه، ثمّ قلتُ في نفسي لعلَّه معاملةٌ، ثمّ مرَّ بعدَه بصاحبِ رُمانٍ فما زالَ به حتى تغفَّلَه فأخذ من عندِه رُمانتَين مسارقةً، فتعجَّبتُ منه، ثمّ قلتُ في نفسي لعلَّه معاملةٌ، ثمّ أقول: وما حاجتُه إذًا إلى المسارقة؟ ثمّ لم أزلْ أتبَعُه حتى مرَّ بمريضٍ فوضع الرَّغيفَين والرُّمانتَين بين يدَيْه ومضى، وتبعتُه حتى استقرَّ في بقعةٍ من الصَّحراء، فقلتُ له: يا عبدَ الله لقد سمعتُ بك وأحببتُ لقاءَك، فلقيتُك ولكنَّني رأيتُ منك ما شغَل قلبي! وإنّي سائِلُك عنه ليزولَ به شُغلُ قلبي. قال: ما هو؟ قلتُ: رأيتُك مررتَ بخبَّازٍ وسرقتَ منه رغيفَين، ثمّ بصاحبِ الرُّمانِ وسرقتَ منه رُمانتَين! قال: فقال لي: قبلَ كلِّ شيءٍ حدِّثني مَن أنتَ؟ قلتُ: رجلٌ مِن ولدِ آدمَ «عليه السلام» مِن أُمَّةِ محمَّدٍ «صلَّى الله عليه وآله». قال حدِّثني مَن أنتَ؟ قلتُ: رجلٌ مِن أهلِ بيتِ رسولِ الله «صلَّى الله عليه وآله». قال: أين بلدُك؟ قلتُ: المدينة. قال: لعلَّك جعفرُ بنُ محمَّدِ بنِ عليٍّ بنِ الحسينِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالب؟ قلتُ: بلى. فقال لي: فما ينفعُك شرفُ أصلِك مع جهلِك بما شُرِّفتَ به وتركِك عِلمَ جدِّك وأبيك لئلَّا تُنكِرَ ما يجبُ أن يُحمَد ويُمدَح عليه فاعلُه؟ قلتُ: وما هو؟ قال: القرآنُ كتابُ الله! قلتُ: والَّذي جهلتُ منه؟ قال: قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشَرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الأنعام: 160)، وأنّي لمّا سَرَقتُ الرَّغيفَين كانت سيِّئتَين، ولمّا سَرَقتُ الرُّمانتَين كانت سيِّئتَين، فهذه أربعُ سيِّئات، فلمّا تصدَّقتُ بكلٍّ منهما كان لي بها أربعون حسنة، فانتقَص من أربعين حسنةً أربعٌ بأربعِ سيِّئات، بقي لي ستٌّ وثلاثون حسنة. قلتُ: ثَكِلَتْك أمُّك! أنتَ الجاهلُ بكتابِ الله، أما سمعتَ أنَّه عزَّ وجلَّ يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة: 27)، إنّك لمّا سرقتَ رغيفَين كانت سيِّئتَين، ولمّا سرقتَ رُمانتَين كانت أيضًا سيِّئتَين، ولمّا دفعتَهما إلى غيرِ صاحِبَيهما بغيرِ أمرِ صاحِبَيهما كنتَ إنّما أضفتَ أربعَ سيِّئاتٍ إلى أربعِ سيِّئاتٍ ولم تُضِفْ أربعين حسنةً إلى أربعِ سيِّئات». (معاني الأخبار، صفحة 35).
فإعطاءُ هذا الرَّجلِ الرَّغيفَين والرُّمانتَين للمريضِ بعدَ أن سَرَقَهما تصرُّفٌ في مالِ الغيرِ بغيرِ إذنِه، وهو غيرُ جائزٍ وحرامٌ يُلحِقُ فاعلَه الإثم.
ومن صنوفِ الخساراتِ الّتي تلحقُ بالحريصِ على المالِ فَقدُه لحسناتِه بسببِ اعتدائِه على أموالِ الآخرين؛ فهو إنْ رَحَل من الدُّنيا دون أن يَرُدَّ إليهم أموالَهم أو يستحلَّها منهم سيُؤخَذ مِن حسناتِه وتُعطى لهم، وإنْ لم تكُن له حسناتٌ أُخِذ مِن سيِّئاتِهم فطُرِحت عليه. فعن النَّبيِّ الأعظمِ «صلَّى الله عليه وآله» قال: «مَن كان لأخيه عندَه مظلمةٌ في عرضٍ أو مالٍ فليستحلَّها منه مِن قبلِ أن يأتيَ يومٌ ليس هنالك دينارٌ ولا درهمٌ، إنّما يُؤخَذ مِن حسناتِه، فإنْ لم تكُن له حسنةٌ أُخِذ مِن سيِّئاتِ صاحبِه فزيدَت على سيِّئاتِه». (المحجّة البيضاء 5/273).
فالحرصُ ليس فقط سببًا في تهيئةِ الأرضيَّةِ لممارسةِ الذُّنوبِ وارتكابِ المخالفاتِ الشَّرعيَّة، بل قد يكونُ سببًا للكُفرِ والارتِدادِ عن الدِّين، والعياذُ بالله، كما حصل لقارونَ الّذي رزَقَهُ اللهُ سبحانَه وتعالى مالًا وخيرًا كثيرًا، فأورثَه ذلك حالةً من السُّرورِ والفَرَحِ والطُّغيان، ورفضَ أن يُسخِّرَ شيئًا منه لآخرتِه، فحرَم منه الفقراءَ والمساكينَ والمحتاجين، معتقدًا أنّ ما لديه من مالٍ ونعمةٍ إنّما حصلَ عليه بسببِ عِلمٍ كان عنده لا أنّ مصدرَه اللهُ تعالى، فنَسيَ ربَّه وغَفَل عنه فاستحقَّ لذلك أن يُخسَف به وبدارِه الأرض. قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرَحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}. (القصص: 76 - 81).
فمن رأى أنّ ما حصل عليه مِن نعمةٍ -سواءٌ أكانت هذه النعمةُ مادِّيَّةً أم معنويَّةً، مالًا أم غيرَه- هو مصدرُها وسبَبُها، وأنّه حصَل عليها بعلمِه ومعرفتِه وخبرتِه وسعيِه وجُهدِه وجدِّه واجتهادِه فقَط، مع عدمِ الالتفاتِ إلى اللهِ سبحانه وتعالى وأنّه هو سببُ النِّعمةِ ومصدرُها الأساسيّ، ومَن كانت عنده النِّعمةُ فحصل له منها طُغيانٌ وبَطَرٌ وتكبُّرٌ، ومَن يَمنَعُ حقَّ اللهِ سبحانه وتعالى وحقَّ الفقراءِ والمساكينَ وغيرِهم من المحتاجينَ في مالِه، فهو شبيهٌ بقارونَ في كلِّ ذلك، وفعلُه هذا كُفرانٌ للنِّعمةِ الّتي أوجَبَ اللهُ سبحانه وتعالى على المُنعَمِ عليه أن يُؤدِّيَ حقَّ شُكرِها بالقلبِ والعملِ واللسانِ: بالقلبِ أن يعتقدَ بأنَّ مصدرَ النِّعمةِ هو اللهُ، وبالعملِ أن يُسخِّرَ النِّعمةَ فيما أُعطِيَت مِن أجلِه وفي طاعةِ اللهِ سبحانه وتعالى، وباللسانِ الإتيانُ بعباراتِ الشُّكرِ والحمدِ والثَّناءِ على اللهِ سبحانه وتعالى لأنَّه المنعِمُ والمتفضِّلُ عليه بالنِّعمة.