أهل البيت والقرآن الكريم
الشيخ حسن عبد الله العجمي
قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "إنّ الله طهّرنا وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا"
هذه الرواية من النّصوص التي تكشف عن مكانة أهل البيت عليهم السلام في الدّين، فترسم صورة واضحة لوظيفتهم في الأمة، وصلتهم بالقرآن، ودورهم في حمل مشعل هداية النّاس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
وحين نتأمّل في أوّل هذه الرّواية، وبالتّحديد في قوله عليه السلام: "إنّ الله طهّرنا" نفهم أنّ كلامه عليه السلام هذا إخبار عن إعداد إلهيّ خاص لهم، فالتّطهير هنا معناه أنّ الله سبحانه هيّأهم ليكونوا موضع ثقة في الدّين، ومحلًّا لبيان معارفه وأحكامه وسائر تعاليمه، وأهلًا لحمل الحقّ من غير انحراف.
ثمّ قال عليه السلام: "وجعلنا شهداء على خلقه"، ولا شكّ أنّ المراد بالشّاهد من يقوم بالحقّ ويعرفه ويكون ميزانًا في تمييزه، فأهل البيت عليهم السلام ليسوا مجرّد علماء كسائر العلماء، أوْ واعظين وناصحين، وإنّما لهم مقام خاص في معرفة الحق وبيانه للنّاس.
وقد ورد في الرّواية عن الإمام الصّادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فقال: "نحن الأمّة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه"، وهذا يُظهر أنّ الشّهادة هي موقع حقيقي في بناء الدين؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يترك الأمّة بلا ميزان، ولم يجعل القرآن نصًّا منفصلًا عن أهل البيت عليهم السلام الذين هم أهله الحقيقيون، بل جعل في الأمّة من يشهد على سلامة الطّريق، ويكشف مواضع الانحراف، ويكون حجة على النّاس.
ثم قال عليه السلام: "وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا"، وهنا تظهر خصوصية أهل البيت عليهم السلام بوضوح. فالإمام عليه السلام لا يقول فقط إنّهم يعرفون القرآن، ولا يقول فقط إنّهم يتمسّكون به، وإنّما قرّر وجود ملازمة كاملة بين الطّرفين: هم مع القرآن، والقرآن معهم، ومعنى ذلك أنْ لا انفصال بين أهل البيت عليهم السلام وبين حقيقة القرآن، لا في فهمه ولا في بيانه، ولا في العمل به، ولا في جانب هدايته.
وهذا هو الذي يفسر لنا لماذا لا تكفي قراءة القرآن وحدها إذا كانت منفصلة عن المبيّن المأمون، فالنّاس قد يقرأون النّص نفسه، لكنّهم يختلفون في معناه، وقد يحملونه على أهوائهم أوْ ثقافاتهم أوْ نزاعاتهم، أمّا إذا كان هناك من جعله الله مع القرآن، وجعل القرآن معه، فإنّ هذا يعني أنّ فهم الكتاب لا يُترك لكلّ أحد على هواه، بل له باب صحيح، وله أهل يعرفونه حقّ المعرفة.
ومن قوله عليه السلام: "لا نفارقه ولا يفارقنا" يتّضح أنّ الارتباط بينهم عليهم السلام وبين القرآن الكريم دائمٌ غير قابل للانفصال، فلا أهل البيت عليهم السلام يفارقون القرآن في قول أوْ عمل أوْ هداية، ولا القرآن يفارقهم من جهة البيان الصّحيح والمعرفة الحقيقيّة.
وبعبارة أبسط: إنّ القرآن عندهم ليس شيئًا خارجًا عنهم يتعاملون معه من بعيد، بل هو حاضر في علمهم وموقفهم وسيرتهم، وهم حاضرون في حفظه وبيانه والدّلالة عليه.
فتؤكّد هذه الرّواية على الجمع بين أهل البيت عليهم السلام وبين القرآن الكريم، فلا أهل البيت عليهم السلام بديلٌ عن القرآن ولا القرآن الكريم بديلٌ عنهم، وذلك لأنّ أحدهما لا يُفهم على وجهه الكامل والحقيقي من دون الآخر.
وأمّا قوله عليه السلام: "وحجته في أرضه"، فالحجّة هي التي يقطع الله بها عذر النّاس، ويقيم بها طريقه في الأرض، ومعنى ذلك أنّ أهل البيت عليهم السلام ليسوا فقط قدوة صالحة، بل هم مرجع إلهيّ في فهم الحق.
وحين تجتمع في الرّواية كلمات: "التطهير"، و"الشهادة"، و"الحجيّة"، و"المعيّة مع القرآن"، فإنّنا أمام نص يضع أساسًا متينًا لفهم مقامهم ووظيفتهم؛ فالرّواية تبدأ بالتطهير، ثمّ تنتقل إلى الشهادة على الخلق، ثمّ إلى الحجيّة في الأرض، ثمّ إلى المعيّة مع القرآن، ثمّ تختم بنفي الافتراق، وكأنّ الإمام عليه السلام يرسم خطاً كاملًا: من الذي يؤتمن على الدّين؟ من الذي يبيّن الكتاب؟ من الذي يكون قوله حجة؟ من الذي لا يضّل النّاس إذا رجعوا إليه؟ والجواب في هذا النّص واضح: هؤلاء الذين طهّرهم الله، وجعلهم مع القرآن، وجعل القرآن معهم.
ولهذا لا يصح أن تُقرأ الرّواية على أنّها مجرّد فضيلة، نعم، فيها بيان لمقام عظيم لهم، لكنّ فيها أيضًا تأسيسًا لفهم الهداية نفسها؛ فهي تقول لنا إنّ الدّين لا يُؤخذ من ظاهر النّص وحده إذا انفصل عن أهله، ولا من مُدَّعٍ ينتسب إلى الدّين من غير أنْ يكون حجة على الخلق منصوصًا عليه من الله عزّ وجلّ ومُنَصَّبًا من رسوله صلى الله عليه وآله، فلا بدّ من القرآن، ولا بدّ من أهله الذين جعَلهم الله معه.
ومن هنا نفهم لماذا ظلّ أهل البيت عليهم السلام في الوجدان الإمامي مرجعًا في العلم والتفسير والبيان، وفي أخذ معارف الدين والتّعاليم والأحكام الإلهيّة؛ لأنّ النّصوص نفسها جعلت لهم هذا الموقع، فهذه الرّواية وغيرها تمنحهم وظيفة: أنْ يكونوا شهداء على الخلق، وحجج الله في أرضه، والوجه الذي يُقرأ من خلاله القرآن المجيد قراءة مأمونة.
وإذا أردنا أنْ نعطي تلخيصًا لمعنى هذه الرّواية فنقول: إن الإمام عليه السلام يبيّن أنّ أهل البيت عليهم السلام هم الصّفوة التي أعدّها الله لحفظ الدّين وبيان القرآن، وأنّ علاقتهم بالكتاب ليست علاقة عاديّة، بل علاقة ملازمة كاملة، ولذلك لا ينفصل فهم الهداية في المدرسة الإماميّة عن الرّجوع إليهم.