الطيّبات والرزق الحقيقي
الشيخ الدكتور إحسان صادق اللواتي
المصدر كتاب "إشكاليّة الرّزق"
﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون﴾ (البقرة، الآية: 172).
وردت هذه الآية الكريمة في سياق مجموعة من الآيات تحدثت عن قضية تحريم بعض عرب الجاهلية – مثل ثقيف وخزاعة – أكلَ بعض الحيوانات والنباتات، ونسبتهم هذا التحريم إلى الله تعالى (الأمثل: 1/335)، فكان الأمر الموجه في بدئها إلى الذين آمنوا: "كلوا" مفيدًا الإباحة وعدم الحظر، فهذا التحريم المدّعى ليس من الله سبحانه، بل هو كذب وافتراء عليه؛ لذا يحق للمؤمنين أن يأكلوا من طيّبات الرزق الإلهي.
وقد عرض بعض المفسرين لهذه الإضافة المذكورة بين "طيبات" و"ما رزقناكم" فذكروا أنها من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل قولك: "أنتظر عظيمَ عفوك" بمعنى أنتظر عفوَك العظيم، والمعنى بناءً على هذا هو: كلوا من رزقنا الذي كلّه طيّب. وهذا المعنى هو المناسب للمقام الذي هو مقام رفع توهم الحظر والنهي عن الامتناع عن أكل الرزق. وليست الإضافة هنا من قبيل قيام الصفة مقام الموصوف، بأنْ يكون المعنى: كلوا من طيّب الرزق لا خبيثه (يراجع: الميزان في تفسير القرآن 1/425). وبكلمة موجزة: الآية لا تريد أن تصنّف الرزق الإلهي إلى ما هو طيّب وما هو خبيث، مطالبةً المؤمنين بالأكل مما هو طيب على هو وجه الخصوص، بل هي في مقام بيان أنّ الرزق الإلهي كله طيب، فليس لأحد أن يحرّم منه شيئًا من تلقاء ذاته.
ثم إنّ الآية الكريمة لجأت بعدئذ إلى أسلوب الالتفات، فتحدثت عن الله تعالى بصيغة الغياب ﴿واشكروا لله﴾ بعد أن كانت تتحدث بصيغة المتكلم ﴿رزقناكم﴾، وقد خرجت عن مقتضى ظاهر الحال حين أقامت الاسم الظاهر ﴿الله﴾ موضع الضمير، فلم تقل: اشكروا لنا، وهو مقتضى الحال بعد قولها: ﴿رزقناكم﴾ بأن يكون التعبير هكذا: كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لنا، بل قالت: ﴿واشكروا لله﴾، والفائدة من هذا النمط من التعبير – بناءً على ما أفاده العلامة الطباطبائي – "ليكون أدلّ على الأمر بالتوحيد"(نفسه: 1/426)، فذكر لفظ الجلالة "الله" هو أصرح وأوضح في الدلالة على معنى التوحيد الإلهي مما لو ذُكر الضمير العائد عليه سبحانه.
وثمة ملحوظة لغوية تعبيرية أخرى في ختام الآية، هي تقديم ما حقه التأخير، فالمفعول به تقدّم على عامله الفعل: ﴿إياه تعبدون﴾، فلم يقل تعبدونه؛ وذلك لأجل الدلالة على حصر العبادة به وقصرها عليه سبحانه وتعالى، والمعنى: إنّ عبادتكم إنْ كانت فعلًا مقصورة على الله، فلا يصح ولا يُتوقع منكم أن تأخذوا أحكامكم إلا منه، ولا ينبغي أن تستجيبوا لأولئك الذين يحكّمون أهواءهم ورغباتهم ثم ينسبون ذلك إلى الله تعالى.
وبعد، ففي الآية الشريفة محطات نتوقف عندها؛ للفائدة والاعتبار:
المحطة الأولى:
من المهم جدًا أن يستحضر المرء دومًا هذه الحقيقة القرآنية الحيوية المركزية: الرزق الإلهي طيبٌ كله، ولا يمكن لهذا الرزق الرباني إلا أن يكون هكذا، فهو الطيّب الصادر من مركز الطيب وأصله الحقيقي. أما الطرق المنحرفة للوصول إلى المكاسب الدنيوية فهي ليست طرقًا إلى الرزق في الحقيقة، أي أنها لا تقود إلى الرزق بما هو رزق واقعي، بل هي اتّباع لخطوات الشيطان الذي لا يحمل للإنسان إلا العداوة الأكيدة المبينة: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا، ولا تتّبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ (البقرة: الآية 186).
مخطئ جدًا، إذن، من يسلك السبل الملتوية المحرّمة كيما يصل إلى مزيد من الرزق، فتراه لا يدّخر وُسعًا في طريق المحرمات، ولا يرعوي عن أي سبيل يمكنه أن يأخذ به لينال به سعةً من المال أو رفعةً في المنصب أو الجاه أو ما شاكل ذلك. إنه في الواقع يبتعد عن الرزق الحقيقي بقدر ما ينغمس في مستنقعات الحرام والإثم، ويسير في طريق مخالف لمصلحته في الوقت الذي يريد لنفسه فيه الخير، كل الخير.
إنّ المؤمن الحقيقي إذا ما رأى نفسه في ضائقة من الرزق وأزمة في المعيشة، فإنّ هذا لا يدفعه إلى طريق الشيطان، بل يجعله يعود إلى ربه، داعيًا ومستغفرًا؛ ليغدق عليه من رزقه ما شاء، فهو الرزاق الكريم. وقد جاء في بعض وصايا الإمام علي بن أبي طالب (ع) لكميل بن زياد: "إذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر الله يوسّع عليك فيها" (ميزان الحكمة 4/115).
المحطة الثانية:
مقتضى الإيمان الحقيقي أن يكون المؤمن مستجيبًا لربه، متقيدًا بحدوده الشرعية في كل شيء، حتى في المباحات، فليس من حقه أن يحرّم وفق رغبته وما يرتئيه ثم ينسب ذلك إلى ربه ودينه، دونما حجة شرعية أو دليل صحيح. نعم، إنّ دائرة المباحات دائرة شرعية أيضًا، مثل دائرتي الواجب والحرام، وليس من حق أي مخلوق أن يتجرأ على ربه بتقليص هذه الدائرة وإخراج ما يشاء منها، وهذا ما يمكن أن يُلحظ في سلوك بعض الذين يدّعون التديّن، فإذا بهم ينهون الناس – باسم الدين – عن كثير من الأمور المحللة التي قد لا يستغني عن بعضها العقلاء في حيواتهم، ويعطون لأنفسهم الحق في أن يحرّموا بعض ما أحلّه الله، لسبب أو لآخر.
إنّ الإنسان المؤمن مسلّم لله تعالى في كل شؤونه، فما أراده الله أن يكون مباحًا محللًا فهو كذلك بلا ريب، ولا يماري المؤمن في أنّ الله سبحانه لم يحلّل شيئًا إلا لمصلحةٍ ما يدركها هو، وإنْ كانت عقولنا المحدودة قاصرة عن ذلك الإدراك. ويكشف لنا عن أهمية دائرة المباحات في نظر الإسلام أنّ ذكر الإباحة تقدّم – هنا في الآية محل كلامنا – على ذكر المحرمات التي يأتي ذكرها في الآية اللاحقة: ﴿إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله، فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه، إنّ الله غفور رحيم﴾، (البقرة: 173)، وهذا هو ديدن القرآن في الموارد التي يريد فيها منع الناس عن عملٍ ما، فإنه يبتدئ بذكر الطرائق المحللة، ثم يبيّن موارد النهي (ينظر تفسير نور "باللغة الفارسيّة" الشيخ محسن قرائتي 1/261- 262).
المحطة الثالثة:
ثمة ربط واضح تحدثت عنه الآية المباركة بين الانتفاع من الرزق الإلهي من جهة، وبين الشكر من جهة أخرى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله﴾، فهما متصلان ببعضهما أشد ما يكون الاتصال؛ ذلك أنّ الشكر شكران: شكر قوليّ، وشكر عمليّ. وهذا الشكر الأخير لا يتحقق إلا باستعمال النعم الإلهية في المصارف التي قرّرها الله سبحانه لها. (نفسه).
إذن، فمن أراد أن يشكر الله تعالى فإنّ عليه أن يحرص على أن ينتفع من رزقه على الوجه الذي يرضيه وبالطريقة التي حلّلها. هذا جانب من القضية، والجانب الآخر المعاكس منها هو أنّ من يشكر الله تعالى كما ينبغي فإنّ هذا يكون داعيًا إلى أن يزيد الرزق الإلهي عنده ويكثر الخير الرباني لديه، مثلما صرّح القرآن الكريم: ﴿وإذ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم﴾، (سورة إبراهيم، الآية 7)، وصرّح به خاتم الرسل (ص) في قوله: "ما فتح الله على عبد باب شكر، فخزن عنه باب الزيادة" (ميزان الحكمة 5/144). ومثلما يستدعي الشكرُ حصول الزيادة في الرزق، يتسبب هذا الشكر أيضًا في تأمين الرزق من الزوال وإبعاد النقمات عن الإنسان، فعن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: شكرا لنعمة أمان من حلول النقمة" (نفسه 5/138).
المحطة الأخيرة:
تحمل الآية، على وجازتها اللفظية، دلالات على خصائص الشكر الحقيقي الذي يستدعيه الرزق الإلهي الذي هو طيّب كله، وتتمثل هذه الخصائص فيما يأتي:
(أ)– ارتباط الشكر بالمعرفة التوحيدية، بمعنى أن يعرف المرء أنّ كل هذه الأرزاق التي يتنعم بها ليست إلا من الله وحده، فهو المنعم الحقيقي، وهو أصل كل خير ومنبع كل كمال في هذا الوجود بأسره. أما غيره فليس إلا سببًا هيّأه بفضله وجوده لإيصال رزقه من طريقه إلى عباده، ولو شاء لأبطل وجوده، ولاستعاض عنه بسبب آخر غيره. فأمر الرزق، بدءًا وعودًا، هو بيد الخالق المنعم الذي لا إله ولا رازق حقيقيًا سواه. وفي هذا قال أمير المؤمنين علي (ع): "لا يملك إمساك الأرزاق وإدرارها إلا الرزاق" (نفسه 4/104).
لقد صرّحت الآية الشريفة بهذه الخاصة الأولى حين نسبت الرزقَ إلى الله تعالى، مذكّرةً المؤمنين بضرورة استحضار هذا المعنى في عقولهم وقلوبهم: ﴿رزقناكم﴾ نظرًا لما له من أثر إيجابي واضح في سلوكهم العملي فيي حيواتهم.
(ب)- حصر العبودية بالله وحده، فلا يمكن للمرء أن يؤدي الشكر الإلهي، بل لا يسعه السير في طريقه أصلًا، إذا كانت في حياته معبودات أخرى يعبدها مع عبادته ربه، كأنْ يعبد الشيطان مثلًا، أو يعبد نفسه الأمارة بالسوء، فينساق استجابةً لهذا ولذاك إلى الوقوع في معاصي ربه، تلكم المعاصي التي لا يتورع فيها عن أن يستفيد من رزق الله ونعمته في تخطي حدوده وتعدي أحكام شرعه، وهذا دليل خسّة هذا الإنسان وحقارته؛ ذلك أنّ "أقلّ ما يجب للمنعم أن لا يُعصى بنعمته" كما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) (ميزان الحكمة 5/139). هذه الخاصة الثانية أشارت إليها الآية باستعمالها أسلوب القصر في نهايتها، كما سبق بيانه، أي في قوله تعالى: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾.
(ج)- الاستفادة من الرزق الإلهي في طريق العبودية الحقة، فالشكر الحقيقي لله يتطلب أن يكون عمل المرء مبنيًا على أن يستعمل كل ما رزقه الله إياه في طريق طاعته وامتثال أوامره واجتناب كل ما نهى عنه: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾.
وجدير بالذكر هنا أنّ ثمة من المفسرين (الإشارة إلى صاحب الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 1/343) من توقف عند الفارق التعبيري القرآني بين الآية القائلة: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا، ولا تتّبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾، (البقرة: 168)، وهي الآية التي تقدمت على الآية محل الكلام تقدمًا يسيرًا والخطاب فيها موجه للناس كافةً، وبين هذه الآية التي هي محل كلامنا، والخطاب فيها موجه للمؤمنين على وجه الخصوص. وخلاصة هذا الفارق التعبيري بين الآيتين – بعد اشتراكهما في الدعوة إلى الاستفادة من الرزق الإلهي الطيب – أن الآية المخاطبة لعامة الناس اكتفت بنهي الناس عن إساءة الاستفادة من النعم الإلهية والرزق الرباني؛ لذا نهت عن اتّباع خطوات الشيطان الذي هو عدو مبين للناس، لكن الآية المخاطبة للمؤمنين، وهي محل كلامنا، لم تكتفِ من عباد الله الصالحين بأنْ لا يسيئوا الاستفادة من رزق ربهم، بل حثّتهم أيضًا على حسن الاستفادة منه، بأنْ دعتهم إلى أداء شكر الله تعالى على نعمه، ولا يتأتى هذا الشكر عملًا – كما تقدم – إلا حينما تُستعمل هذه النعم وتوظف تلكم الأرزاق في طريق طاعة الرب الرزاق، ولا يستفاد منها إلا بما يعمّق معنى العبودية له وطلب مرضاته، وهذا أول ما يجب علينا، فيما ذكره الإمام علي (ع): "أول ما يجب عليكم لله سبحانه، شكر أياديه وابتغاء مراضيه" (ميزان الحكمة 5/139).