من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى                برّ الوالدين من أكرم الطباع                الطيّبات والرزق الحقيقي                ثلاثية السّعادة               من قواصم الظهر                دور المال في فساد الإنسان (1)               أهل البيت والقرآن الكريم               الصدق والكذب                حرث الدنيا وحرث الآخرة               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
275979
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات أخلاقية
 
 
من مكارم الأخلاق
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/09/12 - [المشاهدات : 10]
 

 من مكارم الأخلاق

الشيخ حسن عبد الله العجمي

المصدر، كتاب "مفاتيح الكمال، الجزء الأوّل"

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "يا علي، ثلاث خصال من مكارم الأخلاق: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمّن ظلمك". [الخصال، ص 125].

نقف أمام حديث عظيم جدًّا، حديث لو دخل إلى القلب كما ينبغي، غيّر كثيرًا من تصرّفاتنا، وهدّأ كثيرًا من مشاكلنا، وأصلح كثيرًا من علاقاتنا، لأنّ أغلب ما نتعب منه في حياتنا ليس فقط من قلّة المال، ولا من قلّة الصّحة، ولا من تعب الدّنيا وحده، بل من تعب النّاس، ومن الجراح التي تأتي من قريب، أوْ من صديق، أوْ من رحم، أوْ من شخص كنّا ننتظر منه خيرًا فلم نجده، ولهذا جاء الإسلام لا ليزيد الإنسان توتّرًا، بل ليعلّمه كيف يعيش بقلب أنظف، ونفس أوسع، وأخلاق أعلى.

هذا الحديث واسع جدًّا في معناه، كأنّ النّبي صلى الله عليه وآله يقول لنا: إذا أردت أنْ تعرف معدن الإنسان، فلا تنظر إليه فقط وهو مرتاح، بل انظر إليه إذا حُرم، وإذا قُوطع، وإذا ظُلم، فهنا تظهر الأخلاق الحقيقيّة.

والحديث ليس بعيدًا عن القرآن، بل هو شرح حيٌّ للقرآن؛ لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، ويقول أيضًا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، ويقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]، ويقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فالقرآن وضع القاعدة، وأهل البيت عليهم السلام بيّنوا لنا كيف نعيش هذه القاعدة في بيوتنا، وفي علاقاتنا، وفي قلوبنا.

ما معنى مكارم الأخلاق؟

مكارم الأخلاق ليست الأخلاق العاديّة التي يفعلها الإنسان إذا كان النّاس كلّهم جيّدين معه، لا، هذا سهل، فمن السّهل أنْ تبتسم لمن يبتسم لك، وأنْ تعطي من يعطيك، وأنْ تصل من يصلك، لكنّ السّؤال: ماذا تفعل إذا لم تجد مقابلًا؟ ماذا تفعل إذا وجدت جفاءً بدل المودّة؟ وماذا تفعل إذا وجدت إساءة بدل الإحسان؟ هنا تبدأ مكارم الأخلاق، ولهذا قال النّبي صلى الله عليه وآله في رواية أخرى: "ألا أدلّكم على خير أخلاق الدّنيا والآخرة؟ ... من وصل من قطعه، وأعطى من حرمه، وعفا عمّن ظلمه" [بحار الأنوار 71/102]، لم يقل: هذه أخلاق حسنة فقط، بل قال: خير أخلاق الدّنيا والآخرة.

وهذا معناه أنّ الدّين لا يريد من الإنسان أنْ يكون مؤدّبًا فقط، بل يريد منه أنْ يكون كبير النّفس، يريد منه أنْ لا يعيش بردّ الفعل، فبعض النّاس أخلاقهم تابعة لأخلاق الآخرين، إنْ أحسنوا أحسن، وإنْ أساؤوا أساء، أمّا المؤمن الحقيقي فله ميزان آخر، ميزانه، ماذا يريد الله منّي الآن؟ ماذا يرضي الله؟ كيف أكون أقرب إلى أخلاق محمد وآل محمد؟

تعطي من حرمك

أوّل خصلة من هذه الخصال هي: "تعطي من حرمك"، وهذه خصلة صعبة على النّفس، لأنّ النّفس بطبعها تقول: من أعطاني أعطيه، ومن وقف معي أقف معه، ومن حرمني أحرمه، فالنّفس تحبّ أنْ تقابل بالمثل، لكنّ الدّين يريد أنْ ينقلنا من منطق النّفس إلى منطق الرّسالة، ومن منطق المعاملة إلى منطق المبدأ.

معنى أنْ تُعطي من حرمك لا ينحصر في تقديم المال فقط، فالعطاء مفهومٌ واسع وشامل؛ فقد يكون بالمال، أوْ بتقديم الاحترام، كما يمكن أنْ يتجسّد العطاء في كلمة طيّبة تجبر الخاطر، أوْ قضاء حاجة لشخص، أوْ الوقوف معه في أوقات الشدّة، أوْ ستر زلاته وعيوبه، أوْ حتّى بمجرّد إلقاء السلام عليه بعد فترة من الجفاء والخصام.

في كثير من الأحيان، قد يخذلك شخصٌ ما ويرفض مساندتك في موقف كنت بأمسّ الحاجة إليه، ثمّ تدور الأيام ويصبح هو المحتاج إليك، هنا تحديدًا يوضع دينك وأخلاقك تحت الاختبار الحقيقي، ليظهر ما إذا كنت تتحرّك بدافع الانتقام والغضب، أمْ تبتغي مرضاة الله وتتصرّف وفق طاعته.

وفي الرّواية أنّ رجلًا جاء إلى النّبي صلى الله عليه وآله يشتكي حاله مع بعض أهله، فكان مما وجّهه إليه: "تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك كان الله عزّ وجلّ لك ظهيرًا" [الزهد للكوفي، ص 36]، يا لها من عبارة عظيمة: "كان الله عزّ وجلّ لك ظهيرًا"، يعني إذا اخترت طريق الكرم، وأنت قادر أنْ تبخل، فإنّ الله لا يتركك، إذا اخترت أنْ تعطي وأنت مجروح، فإنّ الله يكون معك، وإذا قاومت نفسك من أجل الله، فإنّ الله يجبر كسرك، ويعلم ما في قلبك، ويؤيّدك بعونه.

والقرآن نفسه يربّي المؤمن على هذا الخلق العالي حين يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، لاحظوا، لم يقل ادفع بالمثل، بل قال: بالتي هي أحسن، يعني إذا جاءتك إساءة فلا تجعل ردّك نسخة منها، بل كن أعلى منها، فإذا جاءك حرمان فلا تجعل الحرمان يطفئ النّور الذي فيك، كن مع الله، لا مع الجرح، كن مع المبدأ، لا مع الانفعال.

وأمير المؤمنين عليه السلام حين وصف المتّقين، لم يصفهم فقط بأنّهم مصلّون وصائمون وذاكرون، بل وصف أخلاقهم أيضًا، فقال: "يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه" [نهج البلاغة، ص 305]، فإعطاء من حرمك ليس تصرّفًا زائدًا عند أهل الإيمان، بل هو من علامات التّقوى، ومن دلائل نبل النّفس.

وهنا نحتاج أنْ نلتفت إلى شيء مهم، فبعض من النّاس يظن أنّ إعطاء من حرمه يعني الذّل، أوْ يعني أنّ الإنسان لا يعرف كرامته، لا، أبدًا، بالعكس، هذا دليل كرامة النّفس، لأنّ الكريم ليس من يعطي إذا طابت نفسه فقط، وإنّما الكريم من لا يسمح لسوء النّاس أنْ يقتل الخير في قلبه، قد يسيء إليك النّاس، لكن لماذا تسمح لهم أنْ يغيّروا أخلاقك أنت؟ لماذا تجعل بخلهم سببًا لأنْ تبخل؟ لماذا تجعل جفاءهم سببًا لأنْ تقسو؟ المؤمن أرفع من هذا.

وأحيانًا، موقف واحد كريم يهدم جدارًا كبيرًا من القسوة، فكم من إنسان كان بعيدًا، فلمّا وجدك عند حاجته تغيّر قلبه، وكم من إنسان كان مقصّرًا، فلما رأى منك شهامة ووقفة ومروءة خجل من نفسه، ولذلك الدّين يريد أنْ يصنع في المجتمع دوائر خير لا دوائر انتقام.

وتصل من قطعك

الخصلة الثّانية هي: "وتصل من قطعك"، وهذه أيضًا من أشقّ ما يكون على النّفوس، لأنّ القطيعة تجرح، والهجر يؤلم، وخصوصًا إذا جاء من قريب، أوْ من رحم، أوْ من إنسان بينك وبينه عشرة قديمة،  والبعض يدفعه كبرياؤه إلى أنْ يقول: إذا كان يريد التصالح معي  فعليه أنْ يأتي هو أوّلًا، أوْ يبدأ هو بالاعتذار أو بالتواصل معي، وهذا العناد يتسبّب في زيادة الجفاء وطول الهجران، ونتيجة لذلك، تمرّ السنون وتضيع أجمل الأوقات في الفراق، ليجد الإنسان نفسه في النّهاية غارقًا في ندم شديد، لكن بعد فوات الأوان حيث لا ينفع النّدم.

لكنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يربّنا على هذا المنطق، بل قال: "وتصل من قطعك"، يعني لا تنتظر دائمًا أنْ يبدأ غيرك، بل كن أنت صاحب المبادرة إذا كان في المبادرة إصلاح، وكنْ أنت صاحب العقل إذا غلبت على غيرك الانفعالات، وكنْ أنت الذي يحفظ ما بقي من خيط العلاقة قبل أنْ ينقطع كلّه.

والقرآن الكريم يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 21]، فالأصل في المؤمن أنْ يكون واصلًا لا قاطعًا، جامعًا لا مفرّقًا، مصلحًا لا مفسدًا، نعم، قد يكون هناك أذى، وقد يكون هناك تعب، وقد تكون هناك حدود يحتاجها الإنسان، لكنّ أصل القلب لا يكون قلب قطيعة، ولا قلب شماتة، ولا قلب ينتظر خراب العلاقة ليستريح.

وجاء في الرّواية عن الإمام الصّادق عليه السلام قوله: "فإنّ المكافئ ليس بالواصل، إنّما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها" [الأمالي للصدوق، ص 711]، وهو كلام دقيق يستحقّ منا التأمّل؛ فالإمام يوضّح أنّ صلة الرّحم الحقيقيّة لا تعني فقط ردّ الزّيارة بالزّيارة، أوْ الاتصال بالاتصال، أوْ مقابلة الإحسان بالإحسان، فمن يفعل ذلك يسمّى مكافئًا، وهو أمر جيد بلا شك، لكنّ الواصل الحقيقي والمثالي هو من يحافظ على نبيل أخلاقه حتّى لو قطعه الآخرون، بمعنى أنّ أخلاقه ومودّته وإنسانيّته مبادئ ثابتة، لا تشترط المعاملة بالمثل، ولا ترتبط بمواقف مؤقتة.

وهذا المعنى نفسه بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله حين جاءه رجل يشكو أهله، فقال: أنا أحسن إليهم فيسيئون، وأصلهم فيقطعون، فالنبي لم يقل له: ما داموا هكذا فاتركهم، بل ردّه إلى القرآن، وقال له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، كأنّ النبي صلى الله عليه وآله يريد أنْ يقول له: لا تجعل قطيعتهم تحدّد أخلاقك أنت، بل دع القرآن يحدّدها.

وأحيانًا نحن نفهم الصّلة فهمًا ضيّقًا، نظن أنّ الصّلة لا تكون إلّا بجلوس طويل أوْ مخالطة كثيرة، لا، قد تكون الصّلة بكلمة، برسالة، بسؤال، بتعزية، بتهنئة، بدعاء، بسلام، بفتح باب صغير بعد أنْ كان مغلقًا، المهم أنْ لا تتحوّل القطيعة إلى شيء راسخ في القلب، المهم أنْ يبقى في الإنسان استعداد للإصلاح، واستعداد للتّخفيف، واستعداد للرّجوع إلى ما يحب الله.

ومما ورد عن المعصوم عليه السلام أنّ صلة الرّحم تهوّن الحساب يوم القيامة، ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21]، فهذا يعني أنّ الصّلة ليست فقط شيئًا نرتاح له نفسيًّا في الدّنيا، بل هي عمل يؤثّر حتّى في الموقف بين يدي الله، فالإنسان الذي كان حريصًا على إصلاح ما انقطع، وعلى حفظ رحمه، وعلى عدم توسيع الجراح، هذا له شأن عند الله.

ولهذا أيضًا قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتقين: "ويصل من قطعه"، يعني أنّ المتقي لا يكتفي بأنْ يعبد الله في محرابه، بل يعبد الله أيضًا في أخلاقه، وفي طريقته في إدارة الخصومات، وفي صبره على جفاء النّاس.

وأقول هنا كلمة قريبة من واقعنا: كم من إنسان مات، وبعد موته ندم أهله أوْ ندم أقرباؤه وقالوا: ليتنا اتّصلنا، ليتنا زرنا، ليتنا لم نترك القطيعة تطول، لكن بعد الموت لا تنفع ليْت، ولهذا فالمؤمن العاقل لا يترك للشيطان عمرًا كاملًا من القطيعة بينه وبين رحمه، وإنّما يبادر ما استطاع، ويصل ما استطاع، ويعالج ما استطاع، ويقول: أنا أريد رضى الله، لا انتصار نفسي فقط.

وتعفو عمّن ظلمك

أمّا الخصلة الثّالثة فهي أصعب شيء على كثير من النّفوس: "وتعفو عمّن ظلمك"، لأنّ الظلم ليس أمرًا سهلًا، فالظلم يكسر، ويوجع، ويترك في القلب أثرًا، ويفتح باب الغضب والرّغبة في الرّد، ولهذا كان العفو من أعلى مقامات الأخلاق، لا من الأمور الهيّنة.

والقرآن الكريم فتح هذا الباب العظيم بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فالآية فيها توازن عجيب، لم تمنع أصل أخذ الحقّ، لكنْ رفعت الإنسان إلى مقام أعلى فقالت: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾، يعني العفو الذي يقرّب إلى الله هو العفو الذي فيه إصلاح، لا عفو الضّعف، ولا عفو تضييع الحقّ، ولا عفو تشجيع الباطل، ثمّ تأمّلوا في الجائزة: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ما أعظم هذا التّعبير، كأنّ الله يقول: هذا العمل أنا أتولّى جزاءه بنفسي.

وقال تعالى أيضًا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، يعني أنّ طريق العفو يبدأ من الدّاخل، غيظ يشتعل، ثمّ نفس تكظمه، ثمّ قلب يرتقي إلى العفو، ثمّ إنسان قد يصل إلى الإحسان، فالعفو ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل هو مجاهدة داخليّة حقيقيّة.

ولهذا قال الإمام الصّادق عليه السلام كلمة عظيمة جدًّا: "إنّا أهل بيت مروءتنا العفو عمن ظلمنا" [الخصال، ص 10]، وهذه الرّواية لوحدها تكفي لأن نفهم منزلة العفو في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فالإمام لا يقول: أحيانًا نعفو، بل يقول: مروءتنا، يعني هذا من شيمنا، من عظمتنا، من خلقنا، من كرامتنا، فمن أراد أنْ يكون قريبًا من أخلاقهم، فليتعلّم كيف يعفو وهو قادر، وكيف يسمو وهو مجروح، وكيف يملك نفسه وهو مستفز.

وفي هذا المعنى أيضًا يقول الإمام السّجاد عليه السلام: "ما تجرّعت جرعة أحبّ إليّ من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها" [الخصال، ص 23]، ما أجمل هذا الكلام، وما أعمقه، هو لا يقول: العفو سهل، بل يقول: أنا أبتلع غيظي ابتلاعًا، لكنّي أحبّ هذه الجرعة؛ لأنّ فيها انتصارًا على النّفس، وتربية للقلب، ورفعة عند الله.

ولعل من أروع الشّواهد العمليّة في هذا المقام ما حصل للإمام زين العابدين عليه السلام مع جاريته، لما أخطأت وسقط الإبريق فشجّته، فقرأت قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال: "قد كظمت غيظي"، ثمّ قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فقال: "قد عفا الله عنك"، ثمّ قالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فقال: "اذهبي فأنت حرّة" [في ظلال الصحيفة السجاديّة، ص 262]، هنا نرى القرآن الكريم يتحوّل إلى حياة، لا إلى تلاوة فقط، نرى الإمام كيف انتقل من كظم الغيظ إلى العفو ثمّ إلى الإحسان.

وهنا لا بدّ أنْ نوضّح أمرًا مهمًّا جدًّا، وهو أنّ العفو ليس ضعفًا، فكثير من النّاس يفهم العفو على أنّه هزيمة، وهذا خطأ، العفو الحقيقي هو عفو القوي، عفو الذي يقدر أنْ يردّ لكنّه لا يجعل غضبه قائده، ولهذا قال الإمام الصّادق عليه السلام: "عليك بالحلم فإنّه ركن العلم، واملك نفسك عند أسباب القدرة" [الأمالي للصدوق، ص 711]، فالشّجاعة الحقيقيّة ليست في سرعة الرّد، بل في ضبط النّفس عند الغضب، وفي اختيار ما يرضي الله عند القدرة.

وأمير المؤمنين عليه السلام أيضًا جعل هذا الخلق من صفات المتقين فقال: "يعفو عمّن ظلمه" [نهج البلاغة، ص 305]، فإذا كان المتّقي يعفو، فهذا ليس لأنّ شخصيّته ضعيفة، بل لأنّ شخصيّته أقوى من أنْ تنقاد لكلّ موجة غضب، وأكبر من أنْ تتحوّل إلى أسيرة للأحقاد.

هذه الخصال الثّلاث

كيف يجمعها القرآن وتجمعها الرّوايات؟

لو تأمّلنا جيّدًا، نجد أنّ القرآن الكريم والرّوايات لا تتعامل مع هذه الخصال على أنّها متفرّقة، بل على أنّها بناء واحد، فالحرمان يعالج بالعطاء، والقطيعة تعالج بالصّلة، والظّلم يعالج بالعفو، كأنّ الدّين يقول لك: إذا أساء إليك النّاس، فلا تسمح للإساءة أنْ تعيد تشكيل روحك، لا تكنْ نسخة من الجرح، ابق أنت إنسانًا مؤمنًا، واسع الصّدر، كبير الخلق.

ولهذا جاء في الحديث النّبوي: "ألا أدلّكم على خير أخلاق الدّنيا والآخرة؟ ... من وصل من قطعه، وأعطى من حرمه، وعفا عمّن ظلمه" [الزهد، للكوفي، ص 39]، وجاء عن الإمام الصّادق عليه السلام في كلامه للمنصور: "تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك" [بحار الأنوار 10/218]، وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: "يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه" [نهج البلاغة، ص 305]، وجاء في وصف أهل الفضل يوم القيامة: "كنّا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمّن ظلمنا" [الكافي 2/108]، فالقضية واحدة، والمدرسة واحدة، والطّريق واضح.

كيف نطبّق هذا الكلام في واقعنا؟

الكلام جميل، لكنّ الجمال الحقيقي حين يتحوّل إلى عمل فكيف نعمل؟ نبدأ من البيت، فإذا حصلت مشكلة بين الزّوج والزّوجة، فليتذكر أحدهما هذا الحديث، لا تكن كلّ العزّة في الخصام، اجعل بعض العزّة في العفو، وإذا حصلت مشكلة بين أخ وأخيه، أوْ بين أخت وأختها، أوْ بين قريب وقريبه، فلا تجعل الشّيطان يكبّر الأمور الصّغيرة، لا تجعل كلمة واحدة تهدم سنين طويلة من الرّحمة والمعروف.

ابدأ بخطوة صغيرة، سلام، رسالة، اعتذار، سؤال، هديّة، دعاء، موقف إنساني، لا تقل دائمًا: لماذا أبدأ أنا؟ لأنّ الحديث كلّه قائم على أنّك أنت الذي تبدأ في الأخلاق العالية، أنت تعطي من حرمك، أنت تصل من قطعك، أنت تعفو عمّن ظلمك، يعني أنت الذي ترتفع، أنت الذي تتقرّب إلى الله، أنت الذي تنتصر على نفسك.

والقرآن يشجّعك على هذا الطّريق ويقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ثمّ يبيّن الثّمرة: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، يعني لا تستبعد أنْ تتغيّر القلوب، لا تستبعد أنْ يلين من قسا، لا تستبعد أنْ يخجل من أساء، لا تستبعد أنْ يفتح الله بابًا كان مغلقًا، نعم، ليس كلّ النّاس يتغيّرون، لكن أنت على الأقل لا تخسر نفسك ولا تخسر ثوابك ولا تخسر نظافة قلبك.

إنّ الله لا يضيع تعب هذه المجاهدة، من يعطي من حرمه، ومن يصل من قطعه، ومن يعفو عمّن ظلمه، قد يراه بعض النّاس مغلوبًا، لكن الرّوايات تقول: لا، هذا رابح عند الله، قال النبي صلى الله عليه وآله: "فإذا فعلت ذلك كان الله عزّ وجلّ لك ظهيرًا"، وقال أيضًا: "ومن سرّه أنْ ينسأ له في عمره، ويوسّع له في رزقه، فليتق الله وليصل رحمه" [معجم المحاسن والمساوئ 3/291]، وقال الإمام الصّادق عليه السلام: "فصل رحمك يزد الله في عمرك، ويخفّف عنك الحساب يوم حشرك" [الأمالي للصدوق، ص 711]، إذًا فهذه الأخلاق ليست فقط راحة قلب، بل معها بركة عمر، وسعة رزق، وتخفيف حساب، ونصرة من الله.

وأجمل من هذا كلّه ما ورد في شأن أهل الفضل يوم القيامة، ينادى: أين أهل الفضل؟ فيقوم قوم، فتسألهم الملائكة: ما كان فضلكم؟ فيقولون: "كنّا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا"، فيقال لهم: "ادخلوا الجنّة" [الكافي 2/108]، يا لها من منزلة! النّاس تبحث عن أعمال كثيرة تقرّبها إلى الله، وهؤلاء نالوا هذا الشّرف العظيم بأخلاق عظيمة، صلة، وعطاء، وعفو.

أيّها المؤمنون، إنّ الإنسان في هذه الدّنيا لا يستطيع أنْ يمنع كلّ ظلم، ولا أنْ يمنع كلّ حرمان، ولا أنْ يمنع كلّ قطيعة، لكن يستطيع أنْ يختار كيف يتعامل مع ذلك، يستطيع أنْ يختار أنْ يكون أكبر من الجرح، وأكرم من الحرمان، وأهدأ من الظلّم، وأعقل من القطيعة، وهذا هو معنى الحديث الشّريف، فإذا حرمك النّاس، لا تحرم نفسك من ثواب الكرم، وإذا قطعك النّاس، لا تقطع أنت طريق الخير إلى الله، وإذا ظلمك النّاس، فلا تجعلهم يسرقون منك نقاء قلبك، كن من أهل القرآن، وكن من أهل أخلاق أهل البيت عليهم السلام.

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.