شرف المؤمن وعزّه                صعود الكلم الطيب                من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى                برّ الوالدين من أكرم الطباع                الطيّبات والرزق الحقيقي                ثلاثية السّعادة               من قواصم الظهر                دور المال في فساد الإنسان (1)               أهل البيت والقرآن الكريم               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
276719
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات قرآنية
 
 
صعود الكلم الطيب
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/09/17 - [المشاهدات : 13]
 

 صعود الكلم الطيب

الشيخ الدكتور إحسان صادق اللواتي

المصدر كتاب "محطات إيمانية"

قال تعالى: ﴿... إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [سورة فاطر، مقطع من الآية: 10].

ثمة كلام بين المفسرين في ارتباط هذا المقطع من الآية الشريفة أو عدم ارتباطه بما تقدّمه من حديث عن العزة، فالآية بتمامها هذا نصّها: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك هو يبور﴾ [سورة فاطر، الآية: 10]، فمن المفسرين من اختار أنّ المقطع الذي هو محل كلامنا إنما هو كالبيان لطريق تحصيل العزة وذلك بطاعة الله، ومنهم من ذهب إلى أنه بيان لكون العزة كلها لله سبحانه لأنها بطاعته تكون، وهناك أيضًا من رجّح أنه كلام مستأنف غير متصل بما تقدمه.

وأيًا ما كانت حقيقة الحال في ذلك، فإنّ الذي يعنينا هنا هو التوقف عند المقطع الشريف المذكور محاولين الاستفادة مما جاء فيه. وهو يبتدئ بتقديم الجار والمجرور "إليه" بقصد الاختصاص والحصر، أي أنّ هذا الصعود هو إليه سبحانه فقط دون غيره.

وتكلم المفسرون أيضًا على الصعود المذكور، وكونه على نحو المجاز أم الحقيقة، فقال العلامة الآلوسي مثلًا: "وصعود الكلم إليه تعالى مجاز مرسل عن قبوله، بعلاقة اللزوم، أو استعارة بتشبيه القبول بالصعود، وجوز أن يجعل الكلم مجازًا عما كُتب فيه بعلاقة الحلول، أو يقدّر مضاف أي إليه يصعد صحيفة الكلم الطيب، أو يشبه وجوده الخارجي هنا ثم الكتابي في السماء بالصعود، ثم يطلق المشبه به على المشبه ويشتق منه الفعل على ما هو معروف في الاستعارة التبعية، وقيل: لا مانع من اعتبار حقيقة الصعود للكلم فلله تعالى تجسيد المعاني" [روح المعاني 22: 475]. وهي وجوه جديرة بالعناية كلها، على أنّ من اللازم أن يشار فيها إلى كون الصعود – حقيقةً كان أم مجازًا – صعودًا مقاميًا معنويًا، وليس حسيًا ماديًا؛ لأنه سبحانه ليس جسمًا، ولا يحويه أي مكان، بل هو خالق المكان والزمان وقهّارهما والمهيمن على الأمر كله. هذا، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الصعود هنا هو بمعنى التقرّب، وتقرّب الكلم إنما هو بتقرّب صاحبه.

وإذ قد تحدثنا عن الصعود، لزمنا أن نعرف المراد من "الكلم الطيب" الذي يصعد. "الكلم" جمع كلمة، وقد وُصف هنا بأنه "طيب"، وطيب الكلام هو بملاءمة نفسية متكلمه وسامعه، فتحصل به اللذة؛ وذلك لأنّ في هذا الكلم سعادة النفس وفلاحها. ومن هنا ذهب بعض المفسرين [منهم العلامة الطباطبائي في الميزان 17: 23] إلى أن الكلم الطيب هو الاعتقاد الحق.

وذكروا في مقابل هذا القول أقوالًا عدة: فقول ذهب إلى أنّ الكلم الطيب يراد منه كل كلام طيب حيثما قيل، وقول ثان اختار أنّ المراد خصوص ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وقول آخر اصطفى أنّ المقصود كل الأقوال العبادية مثل التهليل والتسبيح والتحميد.

نصل، بعد هذا، إلى الموضع الأخير من المواضع التي اختلف بشأنها المفسرون في هذا المقطع القرآني، وهو الموضع المتعلق بتحديد المراد من ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾، وهنا نجد عند المفسرين ثلاثة آراء بارزة:

أ‌-      مراد الآية هو أنّ العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ، فكلما تكرر صدور العمل الصالح من العبد المؤمن، زاد اعتقاده رسوخًا في نفسه وقوي تأثيره.

ب‌-    المدلول هو عكس ما تقدم في الرأي السابق، أي أنّ الآية تفيد أنّ الكلم الطيب يرفع العملَ الصالحَ، بمعنى أنّ العمل الصالح لا يكون مقبولًا عند الله تعالى إلا إذا كان عن عقيدة صحيحة عند العامل، ولولا هذه العقيدة لما زادت كل الأعمال على أن تكون هباء منثورًا.

ت‌-    فاعل الفعل "يرفع" هو الله تعالى، وعلى هذا يكون مفاد الآية أنّ العمل الصالح يرفعه الله سبحانه إليه ويتقبله، فلا يكون في مستوى الدلالة اللفظية ارتباط بين العمل الصالح والكلم الطيب.

وإذ قد تبيّن هذا، تستوقفنا الآية عند مجموعة من الحقائق المهمة الواردة فيها:

الحقيقة الأولى: أهمية المعتقد الحق

الآية دالة – بناءً على معنى من المعاني المذكورة فيما تقدم – على أنّ وجود المعتقد الصحيح شرط أساس لقبول الأعمال الصالحة عند الله تعالى. وهذه حقيقة تحتاج منا إلى فضل تأمل فيها، فنحن كثيرًا ما نفكر – لا سيما في مناسبات مثل شهر رمضان المبارك – في كيفية زيادة أعمالنا الصالحة كمًا وتنويعها كيفًا لكي نظفر من طريقها بدرجات القرب إلى الله تعالى ونفوز بجنانه، غافلين عن حقيقة اعتماد القبول الإلهي لكل ما نأتي به من صالحات على وجود قاعدة اعتقادية راسخة عندنا؛ ذلك أنّ هذه القاعدة الاعتقادية هي المسؤولة عن زيادة إيماننا، كما في الحديث النبوي الشريف: "أفضلكم إيمانًا أفضلكم معرفةً" [ميزان الحكمة 6: 131]، والإيمان والعمل صنوان لا ينفصلان في الإسلام كما هو معروف.

وفي النصوص الشرعية دلالة واضحة على أنّ العمل القليل القائم على أساس من يقين بالمعتقد الصحيح هو أفضل عند ربنا من العمل الذي يتصف بالكثرة من دون أن يكون له أساس من عقيدة راسخة، فقد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: "إنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين" [بحار الأنوار 67: 147].

هذه، إذن، دعوة قرآنية صريحة إلى أن نهتم ببناء عقائدنا بناءً قويمًا راسخًا صحيحًا عند أنفسنا وعند أولادنا وكل من يعنينا أمره، فلا يصح لنا أن نأخذ هذه العقائد من أي ناعق نعق، أو مغرّد غرّد، أو مدوّن كتبَ، لا سيما في هذا الزمان الذي أصبح في وسع كل أحد أن ينشر ما يريده ويوصل إلى الناس ما يراه دون مؤنة حقيقية، ففي هذا الوضع تتضاعف مسؤولياتنا وتتأكد وظيفتنا في البحث عن المعلومات الصحيحة من مصادرها المأمونة التي يمكن للمرء أن يستقي منها معارفه العقدية الدينية.

الحقيقة الثانية: ارتباط الاعتقاد والعمل

هذا الارتباط هو من جهتين متقابلتين: فمن الجهة الأولى نجد أنّ العمل ينشأ أساسًا عن معتقد، إذ لا يعمل أحدنا أي عمل إلا إذا كان عنده اعتقاد بأنّ هذا العمل مطلوب منه أداؤه وأنه يفيده في وجه من وجوه الفائدة، ولولا هذا الاعتقاد لما تحرك نحو الإتيان بالعمل.

ومن الجهة الأخرى، نرى أنّ العمل – إذا استمر وتكرّر – يؤدي إلى تقوية المعتقد وترسيخه، فالخيرات المتكررة التي يعملها الإنسان قاصدًا بها التقرب إلى الله تعالى تزيد هذا الإنسان قربًا من الله، وتقوي صلته به، فيزداد إيمانه ويرسخ يقينه أكثر من ذي قبل.

إنّ الإيمان الحقيقي العميق ينبغي أن يكون له أثره في إيجاد العمل الذي يتوافق معه ويتلاءم مع نوعيته؛ لذا وجدنا الإمام علي بن أبي طالب (ع) يقول: "عجبت لمن عرف الله، كيف لا يشتد خوفه؟" [ميزان الحكمة 6: 158] فالإيمان بالله ومعرفته من الناحية العقدية لا بد لهما، كي يكونا مفيدين لصاحبهما، من تأثير في نفسيته في البدء بأن يشتد فيها الخوف من الله تعالى، ثم لا بد، في النتيجة، من انعكاس ذلك على عمله وسلوكه، فلا معنى إطلاقًا لأن يكون الإيمان عميقًا ومع هذا يكون السلوك بعيدًا عما يقتضيه!

ومن كان معتقده راسخًا حقًا لا يزهد في عمل الخير إطلاقًا، مهما بدا ذلك العمل صغيرًا تافهًا في أنظار الناس، فهو ساعٍ إلى التقرب إلى الله دومًا، انطلاقًا من إيمانه به، ذلك الإيمان الذي يتجلى في العمل، ويظهر في التطبيق، وإلى هذا دعانا سيد الخلائق محمد (ص) إذ قال: "لا تحقرنّ شيئًا من المعروف، ولو أن تلقى أخاك ووجهك مبسوط إليه" [نفسه 6: 250].

الحقيقة الأخيرة:

إنّ حقيقة ارتباط العمل الصالح بترسيخ المعتقد الحق في النفوس، ينبغي لها أن تحرّكنا – في المستويين الفردي والاجتماعي – نحو العمل على التشجيع على الإتيان بالأعمال الخيّرة التي تجعل الناس جميعًا راسخي العقائد، مطمئني الإيمان، والعمل كذلك على إيقاف تلكم الأعمال التي قد تجعل الناس سائرين في طريق ضعف العقيدة وتزعزع الإيمان واهتزازه. روي عن الرسول الأكرم (ص) قوله: "أما المداومة على الخير فيتشعب منه: ترك الفواحش، والبعد من الطيش، والتحرّج، واليقين، وحب النجاة، وطاعة الرحمان، وتعظيم البرهان، واجتناب الشيطان، والإجابة للعدل، وقول الحق، فهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير". [نفسه 7: 17].

هذه النظرة القرآنية للعمل وتأثيره في العقيدة قمينة بأن تجعلنا جميعًا ننظر إلى أعمالنا التي نأتي بها نظرة عميقة تنفتح على أبعاد وآفاق بعيدة قد لا تكون حاضرة في وعينا بالنحو المطلوب، فنحن نعي جيدًا أنّ أعمالنا الصالحة أو الطالحة لها تأثيراتها المباشرة الإيجابية أو السلبية في مصائرنا من جهة الثواب أو العقاب، لكننا قد لا ننتبه بالدرجة نفسها إلى ما لهذه  الأعمال من تأثيرات في عقائدنا، فالمؤمن تزداد عقيدته في ربه رسوخًا وقوةً كلما ازدادت أعماله الصالحة كمًا ونوعًا، وقد تضعف، في المقابل، عقيدته ويتداعى إيمانه حينما تكثر سيئاته وتتراكم ذنوبه ومعاصيه.

إنها، إذن، لمسؤولية ليس لنا أن نتغافل عنها ونتناساها، وهي مسؤولية أن نحرص علىى تثبيت العقيدة وترسيخها من خلال حث أنفسنا وأهلينا والناس من حولنا على الاستزادة من عمل الخيرات والطاعات، وهي أيضًا مسؤولية أن نوقف الانحرافات ومظاهر الفساد الاجتماعي في أي مجتمع من المجتمعات من منطلق أنّ هذه التصرفات لها تأثيرها السلبي الخطير الذي إن تفشى وتوسّع فسيعود على الجميع بالخسران المبين الذي لا يمكن لعاقل أن يتقبله بحال من الأحوال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.