شرف المؤمن وعزّه
الشيخ حسن عبد الله العجمي
المصدر كتاب مفاتيح الكمال
عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن النّاس". [الخصال، ص 6]
قوله عليه السلام هذا يحمل خلاصة ما يبحث عنه الإنسان طوال عمره "الشّرف والعزّة"، فالناس يركضون خلف المال ليتشرّفوا، ويتمسّكون بالمناصب ليتعزّزوا، ويبذلون أعمارهم في تحصيل الجاه والمكانة والثّناء، بينما يأتي هذا الحديث الشريف ليقول لنا برفق وهدوء، إنّ الشرف الحقيقيّ ليس فيما تظنّون، وإنّ العزّة ليست حيث تبحثون، بل هما في بابين اثنين، بابٌ بينك وبين ربّك في جوف الليل، وبابٌ بينك وبين الناس في وضح النّهار.
ومن لطائف هذا الحديث الشريف أنّ الإمام عليه السلام لم يقل "شرفُ المؤمن ماله" ولا "عزّه قبيلته"، ولا قال "شرفه منصبه" ولا "عزّه عشيرته"، لأنّ هذه الأمور كلَّها عرضيّة زائلة، تأتي وتذهب، وقد يملكها المؤمن وقد يحرم منها، بينما الشّرف والعزُّ اللذان ذكرهما الإمام عليه السلام مرتبطان بإرادة المؤمن نفسه واختياره، فهما في متناول كلّ من أراد، لا يحتاجان إلى مال ولا جاه ولا نسب، بل يحتاجان إلى همّة تعلو وقلب يصدق، وهذا هو سرّ عدل الإسلام، أنّه فتح أبواب الكمال أمام كلّ الناس على حدّ سواء، فلا فضل لغنيّ على فقير، ولا لشريف النّسب على وضيعه، إلّا بما يقدّم بين يدي ربّه من عمل صالح ومعروف مبذول.
صلاة الليل شرف المؤمن ومعراج روحه
لكي نفهم معنى أنّ صلاة الليل شرف للمؤمن، لا بدّ أن نتأمّل في طبيعة الليل نفسه، فالليل وقت يخلد فيه النّاس إلى نومهم، تهدأ فيه الأصوات، وتسكن فيه الحركة، وتغلق فيه الأبواب، ولا يبقى مستيقظًا إلّا قلوب تعلّقتْ بمعشوقها الأعلى، فحين يقوم المؤمن من فراشه، ويترك لذّة النّوم، ويقف بين يدي ربّه وحيدًا في ظلمة الليل، فهو في تلك اللحظة يعلن بلسان حاله أنّه اختار الله على راحته، وآثر مناجاة مولاه على متاع بدنه، وهذا هو عين الشّرف، لأنّ الشرف في حقيقته هو أنْ يرفعك شيء فوق مستوى عامّة الخلق، وصلاة الليلِ ترفعك فوق مستوى الغافلين والنّائمين، وتلحقك بركب الأنبياء والصّالحين الذين قال اللهُ تعالى فيهم: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16]،انظرْ كيف وصف الله هؤلاء القوم بأنّ جنوبهم تتجافى عن الفرش، أيْ ترتفع وتنفصل عنها، لعظمة ما في قلوبهم من الشوق إلى ربّهم.
وقد أمر الله تعالى نبيّه الأكرم صلّى الله عليه وآله بقيام الليل، فقال سبحانه:﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الاسراء: 79]، وهذا المقام المحمود هو الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وهو ثمرة تلك الليالي التي أحياها سيّد الخلق في عبادة ربّه، وقد بلغ من اهتمام النبيّ صلّى الله عليه وآله بهذه الصّلاة أنّه كان لا يتركها سفرًا ولا حضرًا، ولا في صحّة ولا في مرض، حتّى تورّمتْ قدماه الشريفتان من طول القيام، فقيل له: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال صلى الله عليه وآله: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" [بحار الأنوار 16/288].
ومن جملة ما ورد في فضلها ما روي عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: "ليس منّا من لم يصلّ صلاة الليل" [وسائل الشيعة 5/288]، وهذه كلمة شديدة تدلّ على أنّ صلاة الليل ليستْ مستحبّ من المستحبّات فحسب، بل هي علامة من علامات المنتسبين إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وشعار من شعارات من سلك طريقهم النورانيّ.
والإمام الصّادق عليه السلام في قوله: "شرف المؤمنِ صلاته بالليل"، جعل شرفه ومجده وارتفاع منزلته عند الله وعند النّاس منوطًا بهذه العبادة الخفيّة التي لا يطّلع عليها إلّا الله. وصلاة الليل ليستْ صعبة كما يتصوّرها بعض النّاس، فهي إحدى عشرة ركعة يصلّيها المؤمن بعد منتصف الليل، ويستطيع من شقّ عليه ذلك أنْ يقتصر على ثلاث ركعات، بل ولو على ركعة واحدة هي ركعة الوتر يقنت فيها ويدعو لنفسه ولإخوانه المؤمنين، والمهم أنْ يجعل المرء بينه وبين ربّه موعدًا في الليل، ولو كان قصيرًا، فإنّ القليل الدّائم خير من الكثير المنقطع، كما علّمنا أهل البيت عليهم السلام.
وقد روي أنّ رجلًا شكا إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه حرم من صلاة الليل، فقال له الإمام: "أنت رجل قد قيّدتْك ذنوبك" [الكافي 3/450]، يعني أنّ الذنوب تحجب العبد عن لذّة المناجاة، وتثقل بدنه عن القيام، فمن أراد أنْ يتلذّذ بصلاة الليل فليبدأْ بتطهير نفسه من الذّنوب، وليكثرْ من الاستغفار والتّوبة، حتّى ينفتح أمامه هذا الباب العظيم.
كفّ الأذى عن الناس عزّ المؤمن ومنعته
ثمّ ننتقل إلى الشّطر الثّاني من هذه الحديث النورانيّ، وهو قوله عليه السلام: "وعزّه كفّ الأذى عن الناس"، والعزّ هنا غير الشّرف، فالشّرف يتعلّق بعلوّ المنزلة، أمّا العزّ فيتعلّق بالمنعة والقوّة والكرامة التي لا يستطيع أحد أنْ ينال منها، والنّاس يظنّون أنّ العزّ في أنْ يكون الإنسان مرهوب الجانب، يخافه النّاس من شرّه، فيتعزّز بإيذائِهم وانتقاصهم والتّطاول عليهم، وهذا في الحقيقة ذلّ وليس عزّا، لأنّه عزّ مبنيّ على خوف النّاس منه، وما إنْ تزول القوّة حتّى ينقلب الناس عليه ويسقط من أعينهم وتلهج ألسنتهم بذمّه، أمّا العزّ الحقيقيّ، كما علّمنا الإمام الصّادق عليه السلام، فهو في الجانب المعاكس تمامًا، في أنْ تكفّ أذاك عن النّاس، فلا يخاف أحد منك، ولا يحذرك أحد، ولا يتجنّب مجلسك أحد، بل يصبح وجودك بين النّاس كالنّسيم العليل في يوم حارّ، وكالظلّ الوارف في صحراء ملتهبة.
ومن تأمّل في القرآن الكريم وجد أنّ الله تعالى جعل كفّ الأذى من صفات عباده الذين مدحهم، فقال سبحانه في وصف عباد الرّحمن:﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، فجعل من صفاتهم أنّهم يمشون على الأرض بسكينة ووقار لا يؤذون أحدًا، حتّى أنّ الجاهل إذا خاطبهم بكلام سيّئ ردّوا عليه بالسّلام، وهذا هو منتهى كفّ الأذى، أنْ يصل بك الحال إلى أن تردّ السيّئة بالحسنة، والإساءة بالإحسان، وقال تعالى في آيةٍ أخرى:﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]، فجعل إيذاء المؤمنين والمؤمنات من غير ذنب اقترفوه من أعظم الإثم، وقالَ سبحانه أيضًا:﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]، فحصر الخير في ثلاث خصال كلّها متعلّقة بنفع النّاس لا بإيذائهم.
والأذى الذي ينبغي أنْ يكفّه المؤمن ليس مقصورًا على أذى اليد، أيْ الضرب والاعتداء البدنيّ، بل يشمل أذى اللسان بالسبّ والشتم والغيبة والنّميمة والسخرية والاستهزاء، ويشمل أذى القلب بحمل الضغينة والحسد والبغضاء، ويشمل أذى القلم بالكتابة التي تجرح وتطعن، ويشمل أذى الجار بإزعاجه أو الإضرار به، ويشمل كلّ ما يصل إلى النّاس من قبلك بصورة تكدّر خاطرهم أو تنقص من حقوقِهم.
وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [المحاسن 1/258]، فحصر معنى الإسلام الحقيقيّ في هذا المعنى، وهو أنْ يكون المسلم مصدر أمان لمن حوله، لا مصدر خوف وقلق، وفي حديث آخر عنه صلّى الله عليه وآله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" [وسائل الشيعة 8/488]، فربط الإيمان بالله وباليوم الآخر مباشرة بعدم إيذاء الجار، وهذا يدل على أنّ كفّ الأذى ليس مجرّد خلق حسن، بل هو من صلب الإيمان ومن لوازمه التي لا ينفكّ عنها. وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حقّ المؤمن" [الكافي 2/170]، ومن أعظم حقوق المؤمن عليك أنْ تكفّ عنه أذاك، وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: "من آذى مؤمنًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فهو ملعون في التّوراة والإنجيل، والزّبور والفرقان" [بحار الأنوار 72/150]، فانظر كيف ربط النبيّ صلّى الله عليه وآله بين إيذاء المؤمن وإيذاء الله تعالى، وكيف جعل اللعنة على فاعل ذلك واردة في جميع الكتب السّماويّة، تأكيدًا على عظم هذا الجرم.
ومما ينبغي التنبيه عليه أنّ كفّ الأذى لا يعني الانعزال عن النّاس والابتعاد عنهم، فإنّ ذلك حلٌّ سلبيٌّ لا يحقّق المطلوب، بل المطلوب أنْ يخالط المؤمن الناس ويعاشرهم، ولكن يصون لسانه ويَه وقلبه عمّا يؤذيهم، وقد قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: "من عامل النّاس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوّته وحرمت غيبته" [الخصال، ص 208]، فالعزّ كلّ العزّ في هذه المعاملة والمخالطة النّظيفة التي تجمع بين الحضور في حياة الناس وبين عدمِ إيذائِهم.
التّلازم بين الأمرين وثمراتهما في الدّنيا والآخرة
والعجيب أنّ الإمام عليه السلام جمع في كلمته الموجزة بين عبادتين- إن أطلقنا على كفّ الأذى عبادة بالمعنى العام للعبادة -، عبادة خاصّة بين العبد وربّه وهي صلاة الليل، وعبادة متعلّقة بالخلق وهي كفّ الأذى عن الناس، وفي هذا الجمع إشارة لطيفة إلى أنّ الإسلام ليس عبادة منقطعة عن المجتمع، ولا اجتماعًا منقطعًا عن العبادة، بل هو منظومة متكاملة تجمع بين حقّ الله وحقّ الخلق، فمن صلّى بالليل وآذى الناس بالنهار، فقد ضيّع ثمرة صلاته، ومن كفّ أذاه عن الناس ولكنّه غفل عن مولاه فقد خسر نصف الطريق، والمؤمن الكامل هو من جمع بين الأمرين، فكان ليله قيامًا ومناجاةً، ونهاره سلامًا وأمانًا لمن حوله.
وممّا يدلّ على هذا الجمع في القرآن الكريم قوله تعالى في وصف عباد الرّحمن:﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64]، بعد أنْ وصفهم في الآية التي قبلها بأنّهم:﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، فجمع سبحانه في وصف عباده الكاملين بين قيام الليل وكفّ الأذى عن الناس، وهذا عين ما قاله الإمام الصّادق عليه السلام في الحديث الذي نحن بصدد شرحه، ممّا يدلّ على أنّ كلام أهل البيت عليهم السلام مستلّ من معدن القرآن ومستقًى من نبعه الصافي، وأنّهم القرآن الناطق، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتّقين في خطبته الشهيرة التي يروى أنّه ألقاها على شخص اسمه همّام: "أمّا الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلًا... وأمّا النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء" [نهج البلاغة، ص 304]، فها هو يجمع في وصف المتّقين بين قيام الليل وحسن التّعامل مع الناس في النّهار، وهو عين ما جاء في حديث الإمام الصّادق عليه السلام.
ولهذا الجمع ثمرات عظيمة يجنيها المؤمن في دنياه قبل آخرته، فأمّا في الدّنيا، فإنّ من جمع بين هاتين الخصلتين ألبسه الله ثوب المهابة، فيحبّه الناس ويحترمونه دون أنْ يعرفوا سبب ذلك، وذلك مصداق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله :"من صلّى بالليل حسن وجهه بالنّهار" [المحاسن 1/53]، وهذا الحُسن ليس حسنًا ظاهريًّا فحسب، بل هو حسن روحيّ ينعكس على الملامح فيجعلها مقبولة عند النّاس، وإنّ من كفّ أذاه عن الخلق كفّ الله عنه أذى الخلق، فلا يؤذى ولا يظلم، أو إنْ أُوذي كان الله ناصره وكفيله، وأمّا في الآخرة، فقد روي أنّ المتهجّدين بالليل لهم نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة، وأنّ الكافّين أذاهم عن الناسِ يدخلون الجنّة بسلام.
عزيزي القارئ المحترم؛ إنْ أردت شرفًا لا يبليه الزّمن، فاجعلْ لك في ليلك ركعات تقف فيها بين يدي ربّك، تشكو إليه همومك، وتسأله حوائجك، وتتلذّذ بمناجاته، وإنْ أردت عزًّا لا يذلُّه شيء، فاكففْ أذاك عن النّاس، فلا يصدرنّ منك ضرر لمسلم ولا لجار ولا لقريب ولا لبعيد، حتّى يكون الناس في سلام منك، وتكون أنت في سلام مع ربّك، فإنّ من جمع هاتين الخصلتين ضمن السّعادة في الدّنيا والآخرة، ونال من الله ما هو أعظم من كلّ شرف يطلب، وكلّ عزّ يبتغى، وهو رضوان الله الذي قال فيه سبحانه:﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72].