مشروع الزّواج بين الرّبانية والنفعيّة
(قراءة في الأهداف والممارسات)
الشيح الدكتور علي حسن اللواتي
هذا الموضوع هو تفريغ لخطبة جمعة ألقيت بتاريخ 29/ربيع الأول/ 1448ه الموافق11/سبتمبر/2026 في جامع السلام
قال تعالى: (وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21].
إنّ الكثير منّا حينما يفكّر في الزواج وفي الارتباط العائلي والأسري، خاصة في مرحلة الشباب، ينطلق من الزاوية الغريزيّة المحضة. ولذلك هذا النّمط من التفكير يؤثّر على البناء الزّواجي ويؤثّر على الاختيار ويؤثّر على مستقبل هذه العلاقة.
لذلك الذي يقدم على هذا المشروع أو من يعنيه هذا المشروع، وأقصد الوالدين والأهل وباقي أفراد الأسرة، ينبغي أن يلحظوا أنّهم ليس فقط يقومون بتأسيس هذه النّواة في المجتمع بغرض سد حاجة غريزيّة، وإنّما يجب أن تلحظ هذه العلاقة على أنها علاقة مصيرية أولًا. وأن تكون هذه العلاقة ذات نظرة وبعد روحي يخلص الإنسان فيه نيته لله عز وجل. هذه النية الصالحة والصادقة لها تأثير في توفيق الإنسان في الاختيار وفي تسديد الإنسان للاختيار.
لاحظوا ماذا يقول النبي صلى الله عليه وآله: "من تزوج امرأة لجمالها أوكله الله لجمالها". إذن هذا لا يعني أن الجمال ليس مهمًا أو الشكل ليس مهمًا، وإنما يعني أن هناك جوانب أخرى يجب أن يلحظها الإنسان في هذه العلاقة.
لاحظوا كثيرًا من العلاقات التي فشلت ركزت على هذا البعد فقط دون مراعاة الجوانب الأخرى، الجوانب الهامّة في العلاقة الزوجيّة. ولذلك في كثير من الحالات لا تسود هذه العلاقة المودّة والرّحمة لأنّ الهدف لم يكن هدفًا نبيلًا، وإنّما انطلق من بعد غرائزي صرف.
لذلك الرّوايات تؤكّد على موضوع أن يلتمس الإنسان بهذا الزّواج وبهذه العلاقة العفاف، أن يحصّن نفسه، أن يبني هذه الأسرة متقربًا بذلك إلى الله. صحيح هو يشبع حاجة جسديّة، وهي تشبع حاجة جسديّة، ولكن يجب أن يكون الله حاضرًا في هذا المشروع.
لاحظوا هذه الرّواية عن النبي الأعظم محمد: يقول صلوات الله وسلامه عليه: "حق على الله عون من نكح التماس العفاف مما حرم الله". الله سبحانه وتعالى يمنح هذا الشخص ويعينه ويساعده إذا نوى هذه النية أنّه يلتمس بزواجه التقرب إلى الله، يلتمس بزواجه تحصين نفسه عن النظرة المحرمة، عن البحث هنا وهناك.
وواحدة من الإشكالات التي نعاني منها حتّى في المجتمع المتديّن هذه النزعة الشره أن لا نضع حدًّا لهذه الشهوة. إذا لم يضع الإنسان حدًّا لشهوته في أكل، في غضب، في جنس، في غيرها، سوف تنطلق الشّهوة من طبيعتها أنه كلما لبيتها تنشط أكثر وتتقوى أكثر. وبالتالي كثير من المشاكل الأسرية منشأها هذه النظرة أن الإنسان لا يحصن، لا ينظر إلى الزّواج على أنّه عملية تحصين، وإنّما إشباع رغبة. ولذلك تراه بعناوين مختلفة يسعى إلى ارتباطات خارج الدائرة الأسريّة، وهذا ينعكس على الأسرة وعلى استقرارها وعلى كينونتها.
إذن علينا أن نتساءل، خصوصًا الشباب، لماذا أريد أن أرتبط بهذه المرأة؟ وما هو الأساس؟ وهل لديّ تصوّر واضح عن الزّواج وعن الالتزامات التي فيه وعن مسؤولياته؟ الزّواج مشروع مثله مثل سائر المشاريع، يحتاج إلى تخطيط. ليس هكذا فقط أن نجعله في دائرة التجربة وفي دائرة الخطأ والصّواب، وإنّما يحتاج أن نخطط له من كلّ النواحي. الناحية المعرفية والإلمام بالحقوق، الحقوق الشرعية بدرجة أولى. كثير من الأزواج يدخل إلى هذا المشروع وهو لا يعلم ماذا عليه وما هي حقوقه وما هي واجبات الطرف الآخر. ولذلك يصطدم بعد ذلك بالمخالفات وبالصراعات وبالمشاكل التي تنشأ نتيجة غياب هذا العنصر.
البعض من أبنائنا يدخل إلى مشروع الزّواج وهو ليس لديه الاستعداد لتحمّل المسؤوليّة أو للتغيير. أنت عندما تتزوّج ترتبط بإنسان آخر له عاداته وله تكوينه، فيجب أن تكيف نفسك وهو أيضًا يكيف نفسه لأن نلتقي في مساحة مشتركة. لا يجب أن أعيش بنفس الجلباب الذي تربيت عليه في بيت أبي بكل تفاصيله لأنني أتعامل مع شريك آخر الآن. هذه القضية يجب أن نلتفت إليها.
القدرة على تحمّل مسؤوليات الزّواج، الانسجام والتوافق مع الطرف الآخر، كثير من الأحيان الإنسان عندما ينظر إلى زاوية واحدة ويغفل بقيّة الجوانب يصطدم بأشياء مرتبطة بعادات هذا الشخص، مرتبطة بطريقة تفكيره، مرتبطة بعقيدته وقناعاته، وبالتالي لا يستطيع أن يبني هذا التوافق وهذا الانسجام الذي هو أساس في نجاح هذا المشروع وفي استكماله على الوجه الأمثل.
أريد أن أقف مع بعض الرّوايات في هذا الباب وفي هذا الموضوع ...
أنطلق من كلمة لإمامنا وسيدنا علي بن الحسين سلام الله عليه في رسالة الحقوق. يقول الإمام السجاد عليه السلام: "وأما حق الزوجة فأن تعلم أن الله عز وجل جعلها سكنًا وأنسًا، وتعلم أن ذلك نعمة من الله عليك". أن تنظر للزواج على أنه نعمة من الله فتكرمها وترفق بها. هذه نعمة من الله تحتاج إلى رعاية، تحتاج إلى شكر، تحتاج إلى تحمل مسؤوليات.
بعضنا يدخل الزواج كصفقة اقتصادية، ولذلك تراه يركز هذه تعمل، كم راتبها؟ عندها سيارة، عندها فيلا، عندها بيت، عندها رصيد. يعني يركز على البعد المادي فقط. وبعضنا يركز على الجمال كما قلت. طيب، عندما تدخل إلى مشروع الزّواج وأنت تضع عينك على مال هذه الزوجة، معنى ذلك أنّ هذه العلاقة سوف تنتهي في كثير من الحالات بالفشل، لأنها لم تؤسس على أساس صالح، على أساس تحمل المسؤولية.
الشرع يقول الإنفاق على الزوج. وكثير من الأزواج مع الأسف يستغلون أحيانًا طيبة المرأة، أحيانًا صدق حبها، لدرجة أن بعضهم يأخذ بطاقتها البنكية ويجعلها في جيبه ويتصرف في أموالها كيف يشاء. وهذا لا يجوز شرعًا، أن يتخلى عن مسؤولياته وعن الإنفاق الواجب عليه. وبعضهم يقول: "أنا أتحمل مسؤوليات البيت لكنّ الشأن الخاص فيك فأنت تتحمليه". يعني أنت تصرفي على نفسك، أنت تشتري أغراضك، ملابسك، إلى آخره، مدارس أولادك، ويبدأ يتخلى عن مسؤولياته تدريجيًا. هذه المشاكل نصادفها الآن كثيرًا في حالات الطلاق والانفصال، سببها أن البنيان لم يبنَ على أساس صالح.
الله سبحانه وتعالى يقول: (وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا) [النساء: 21].
تستحل هذه المرأة على اسم الله عز وجل، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. ثم يقول الإمام: "وترفق بها وإن كان حقك عليها أوجب". يعني أنت لك حق، ولكن لا تستغل هذا الحق بشكل سلبي. فإن لك عليها أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، مو تقول لها: "أنت روح اشتري مؤونة البيت"، وأنت روح اشتري كسوة لك وللأولاد، وإلى آخره كما يفعل الكثيرون. وإذا جهلت عفوت عنها. هذا معنى المودة والرحمة.
وهنا يطرح تساؤل: هل الحب شرط أساسي في الزّواج؟ لعله جيلنا والجيل السابق تربى على المسلسلات وعلى الأفلام اللي تركز على عنصر الحب. الحب عنصر أساسي، والعاطفة عنصر أساسي في العلاقة الزوجيّة، ولكن ليس العنصر الوحيد. كثير من العلاقات الناجحة للأسر في الماضي وفي الحاضر لم تكن قائمة عن حب يسبق الزواج، ومع ذلك استطاعوا أن يبنوا علاقة حميمية راشدة ومتوازنة، لأنّ العناصر الأخرى متوافرة. واستطاعوا بناء علاقة نمت مع الوقت ونشأ معها الحب الصادق، ليس العلاقة الراشدة أنك تخرج مع الفتاة قبل أن ترتبط بها وتقع في أخطاء وفي إشكالات شرعية. نعم، التعارف مطلوب للتحقق من التوافق، من الانسجام، ولكن يجب أن يكون ذلك ضمن إطار الأسرة وضمن إطار الضوابط الشرعية وضمن إطار التقوى والخوف من الله سبحانه وتعالى. وضمن إطار أن يكون هذا المشروع تحت عناية الله كما ذكرنا.
وفي مجال العلاقة مع الزوج، يقول نبينا الأعظم محمد: "خير نسائكم ألطفهن بأزواجهن". ويقول إمامنا جعفر بن محمد: "سعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه، وتطيعه في جميع أحواله". ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "جهاد المرأة حسن التبعل". حسن التبعل هو تحمل المسؤولية، مسؤولية الزواج، مسؤولية الأولاد، مسؤولية رعاية هذه الأسرة.
مشكلتنا في هذا الزمان أن كل طرف يحاول أن يكون ندًا للآخر. كل واحد يستقوي بعناصر القوة لديه، لا أن يتكاملا مع بعضهما البعض. ولذلك تنشأ المشاكل وتنشأ التحديات التي تعصف بكثير من الأسر.
وهذا يجعلني أختم بالتأكيد على موضوع الثقافة الزواجية. أبناؤنا يحتاجون إلى هذه الثقافة ذكورًا وإناثًا. وأحيي لجنة الإرشاد أو الإصلاح على المبادرة، مبادرة إقامة ورشة لتثقيف الزواج في الجوانب الدينية، في الجوانب المالية، في الجوانب النفسية والاجتماعية لأبنائنا. ضروري جدًا أن الابن قبل أن يدخل يعرف كيف يدخل إلى هذا المشروع لكي يضمن له النجاح. اليوم الزواج أصبح أكثر تعقيدًا من ذي قبل، فيحتاج إلى معرفة، يحتاج إلى مهارات. ولذلك نحتاج أن نتسلح بسلاح الدين وبسلاح المعرفة التي تجعلنا ندخل إلى مشروع ونخرج منه بسلام، ويكون الله سبحانه وتعالى راضيًا عن هذه العلاقة.