الشكر القلبي                العلاقة بين الرزق والإيمان               مشروع الزّواج بين الرّبانية والنفعيّة ... قراءة في الأهداف والممارسات                الثّمرات الدّنيويّة لصلاة الليل                شرف المؤمن وعزّه                صعود الكلم الطيب                من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى                برّ الوالدين من أكرم الطباع                الطيّبات والرزق الحقيقي               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
282531
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات أخلاقية
 
 
الشكر القلبي
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/10/04 - [المشاهدات : 10]
 

 الشكر القلبي

المصدر كتاب "سنّة الزّيادة في مقامات الشكر"

للشيخ حسن عبد الله العجمي

يبدأ الشّكر من الموضع الذي تبدأ منه الاستقامة كلّها: من القلب، فالقلب هو موضع النّظر، وهو منبع المعاني، وهو الأصل الذي تتفرّع عنه الأقوال والأعمال، ولهذا فإنّ أوّل ما ينبغي أنْ يتشكّل في باطن العبد إذا أراد أنْ يكون من أهل الشّكر، هو أنْ يرى النّعمة رؤية صحيحة، وأنْ يعرف صاحبها معرفة صادقة، وأنْ يتبرأ من حوله وقوّته في أصل تحصيلها وحفظها ونمائها، فإذا استقام هذا الأصل، جرى الشّكر بعد ذلك على اللسان، وظهر على الجوارح، وصار خلقًا ثابتًا لا عبارة عابرة.

والقرآن الكريم يربّي القلب على هذا المعنى تربية متكرّرة؛ فهو يردّ الإنسان في كلّ موضع إلى المنّعم الأوّل سبحانه، ويهزّ وجدانه بسيل من التّذكير بالنّعم: نعمة الخلق، ونعمة الهداية، ونعمة السّمع والبصر والفؤاد، ونعمة الأمن، ونعمة الرّزق، ونعمة تسخير ما في السّماوات وما في الأرض، فإذا غفل القلب عن هذه الحقائق عاش في وهم الاستقلال، وإذا استيقظ لها عاش في مقام الافتقار، ولا يقوم الشّكر إلاّ على هذا الافتقار النّبيل.

وهذا الافتقار ليس ضعفًا سلبيًّا، بل هو أعظم مصادر القوّة الرّوحيّة؛ لأنّ القلب حين يعلم أنّ ما عنده من الله، يطمئن إلى أنّ خزائن الله لا تنفد، وأنّ المنعم الذي ابتدأه بالنّعم قادر على أنْ يزيده ويبارك له ويحفظ عليه، أمّا إذا علق قلبه بالأسباب وحدها، صار أسيرًا لاضطرابها، فرحُه يتكسّر عند أوّل فقد، وأمنه ينهار عند أوّل تغيّر، ومن هنا كان الشّكر القلبي تصحيحًا جذريًّا لعلاقة الإنسان بالعالم، فلا يرى نفسه سيّدًا مستقلًّا في كون يملكه، بل عبدًا مكرمًا في عالم يتقلّب في رحمة الله وتدبيره.

وإذا استقر هذا المعنى في القلب، انقلبت كثير من الموازين النّفسية؛ فبدل أنْ يسأل الإنسان كلّ يوم: ماذا فقدت؟ يبدأ يسأل: ماذا بقي عليّ من فضل الله لم أؤدّ حقّه؟ وبدل أنْ يحصي ما تأخّر عنه من متاع الدّنيا، يتفكّر فيما أعطيه من نعم لو فقد واحدة منها لاختل نظام حياته كلّه، وبهذا يتحوّل الشّكر من مجرّد مقام تعبّدي إلى علاج عميق لأمراض القلق، والسّخط، والمقارنة، والاستغراق في الإحساس بالنّقص.

اﻟﺸّﻜﺮ القلبيّ ﻓﻲ ﺿﻮء اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﻳﻢ

حين نتأمل قول الله تعالى: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ" [النحل: 53]، نجد أنّ الآية لا تترك للقلب بابًا يفرّ منه إلى الغفلة أو دعوى الاستحقاق، فكلّ ما بالعبد من نعمة، في نفسه، وفي أهله، وفي رزقه، وفي علمه، وفي سمعته، وفي إيمانه، فمن الله سبحانه، وهذه الآية في حقيقتها قاعدة قلبيّة كبرى، من تشرّبها لم يعد يرى النّعمة ملكًا ذاتيًّا، بل أمانة موهوبة وفضلًا جاريًا، وكذلك قوله تعالى: "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ" [البلد: 8-9]، يوقظ في النّفس معنى أنّ أصول ما يتكئ عليه الإنسان في حياته ليست من صنعه، بل منحة محضة.

ومن أعظم الآيات التي تبني الشّكر القلبي قوله تعالى: "وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" [سبأ: 13]، فهذه الآية توقظ في المؤمن شعورين متلازمين: شعور الهيبة من هذا المقام، لأنّه مقام عزيز لا يناله كلّ أحد، وشعور الشّوق إلى أنْ يكون من هذا القليل المبارك، والشّكر هنا ليس مجرّد كلمة يقولها العبد، بل منزلة قلبيّة عالية، لأنّ القليل لا يكون قليلًا إلّا إذا كان المقام عظيمًا، والطّريق إليه يحتاج إلى مجاهدة، والعبد بطبعه يميل إلى رؤية ما فقد أكثر من رؤيته ما أعطي.

وتأمّل هذه التربية القرآنيّة يكشف أنّ الوصول إلى مقام "الشّكور" لا يتمّ بكثرة الكلام عن النّعم فحسب، بل بامتلاك قلب حيٍّ سريع الانتباه إلى المنن، شديد الحياء من التّقصير، كثير الرّجوع إلى الله في السرّ والعلن، فالعبد قد يعرف النّعمة معرفة عقليّة، لكنّه لا يرقى إلى رتبة الشّاكرين حتّى تصير هذه المعرفة باعثًا على التّواضع، وكابحًا للعجب، وموقظًا لمعنى المسؤوليّة،  ومن هنا كان الشّكر القلبي بداية مشروع تهذيب كامل، لأنّ من عرف أنّ كلّ خير عنده موهوب، خفّت عنده دعوى الأنا، ولان قلبه للخلق، ورجا للنّاس ما يرجوه لنفسه من فضل الله.

معنى ﺷﻬﻮد اﻟﻨّﻌﻤﺔ وﺷﻬﻮد اﻟﻤﻨﻌﻢ

ليس المقصود بالشّكر القلبي أنْ يدرك الإنسان وجود النّعمة إدراكًا ذهنيًّا فحسب، بل أنْ تنتقل هذه المعرفة إلى حالة شعوريّة عميقة نسمّيها: شهود النّعمة، ثمّ ما هو أعلى منها: شهود المنعم، فقد يرى الإنسان الطّعام على مائدته، لكنّه لا يرى وراءه لطف الله في إنبات الزّرع، وتيسير الرّزق، وحفظ البدن، وتمكين اليد من الامتداد إليه، وقد يرى المرء نجاحه في عمله، لكنّه لا يرى وراءه توفيق الله، وتسديده، وصرفه للعوائق، وتيسيره للفرص، ومن هنا كان الشّكر القلبي انتقالًا من سطح النّعمة إلى عمقها، ومن ظاهر السّبب إلى  ربّ السّبب.

وإذا شهد القلب المنعم حقًّا، نشأت فيه محبّة صادقة، وهيبة رقيقة، وانكسار جميل، فيفرح بالنّعمة، نعم، لكنّه يفرح أكثر بأنّها آية من آيات ودّ الله به، وأنّها باب لذكره، وسبب للقيام بحقّه، وهنا يتحوّل المال من مجرّد مال إلى رسالة، وتتحوّل الصّحة من مجرّد عافية إلى أمانة، ويتحوّل الوقت من مجرّد ساعات إلى فرصة للعبادة والعمران.

ﺗﻮﺟﻴﻬﺎت أﻫﻞ اﻟﺒﻴﺖ عليهم السلام ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﺸّﻜﺮ القلبي

في تراث أهل البيت عليهم السلام توجيه عميق إلى أنّ الشّكر ليس شكلًا خارجيًّا قبل أنْ يكون حالة باطنيّة، وقول الإمام الصّادق n الذي يدور حوله هذا الكتاب يفتح هذا الباب بوضوح: >ومن أعطي الشّكر لم يحرم الزّيادة<، فالإعطاء هنا في بعده القلبي يعني أنْ يفتح الله على العبد فهم النّعمة، وفهم المنعم، وفهم العلاقة بين العطاء والواجب، ومما يروى عن الإمام الصّادق n في بيان حقيقة الشّكر، قوله: "شكر النّعمة اجتناب المحارم" [الكافي: 2/95]، وهذا المعنى لا يمكن أنْ يستقرّ في الجوارح قبل أنْ يرسخ في القلب، فالقلب إذا لم يعرف أنّ النّعمة من الله، لم يستح أنْ يعصي الله بها.

وروي في معاني الشّكر عنهم عليهم السلام ما يدلّ على أنّ من تمامه أنْ يرى العبد نفسه مقصّرًا مهما شكر [من ذلك ما في الدّعاء عن الإمام السّجاد عليه السلام: "فكيف لي بتحصيل الشّكر وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر؟! فكلّما قلت لك الحمد، وجب عليّ لذلك أنْ أقول لك الحمد"، ومنه ما عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: "فيما أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى عليه السلام: يا موسى اشكرني حقّ شكري، فقال: يا ربّ، وكيف أشكرك حقّ شكرك وليس من شكر أشكرك إلّا وأنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى الآن شكرتني حين علمت أنّ ذلك مني". الكليني، الكافي 2/98]، لأنّ توفيقه للشّكر نعمة أخرى تحتاج إلى شكر جديد، وهذه تربية قلبية عظيمة، لأنّها تمنع العبد من العجب حتّى بطاعته، فلا يقول: أنا شاكر، بل يقول: الحمد لله الذي ألهمني شيئًا من الشّكر، ثمّ يستغفر من تقصيره فيه، وهكذا يبقى القلب بين شهود المنّة وشهود التّقصير، وهما جناحان عظيمان في سير العبوديّة.

وهذه المعاني إذا نزلت إلى واقع التّربية صنعت إنسانًا مختلفًا: إنسانًا لا تغرّه النّعمة إذا حضرت، ولا ينهار إذا تأخّرت، لأنّه تعلّم أنْ ينظر إلى العطاء بوصفه تكليفًا كما هو تشريف، وبوصفه امتحانًا كما هو إكرام، وحين يسمع قول الإمام عليه السلام: "ومن أعطي الشّكر لم يحرم الزّيادة" لا يفهمه فهمًا سطحيًّا يختزل الزّيادة في مزيد من الحظوظ، بل يفهم أنّ منّة الله عليه بالشّكر نفسه من أعظم الزّيادات؛ إذْ بها يفتح له باب حفظ النّعمة، وبركتها، وحسن الانتفاع بها، والتّوفيق إلى ما هو أعلى منها قدرًا وأبقى أثرًا.

آﻓﺎت اﻟﺸّﻜﺮ القلبي

إنّ أخطر ما يفسد الشّكر في باطن الإنسان آفتان: الغفلة والعجب، أمّا الغفلة فأنْ يعتاد القلب النّعمة حتّى لا يراها، كمن يعيش في الأمن فلا يشعر بقيمته إلّا إذا رأى الخوف، أو يتقلّب في العافية فلا ينتبه إليها إلّا عند نزول المرض، وأمّا العجب، فهو أنْ ينسب العبد النّعمة إلى نفسه بطريق خفيّ أو جليّ، فيرى أنّ ذكاءه وحده هو الذي أنشأ نجاحه، أوْ أنّ مهارته المجرّدة هي التي حفظت مكانته، أوْ أنّ شخصيّته هي التي صنعت له القبول، وهذا هو الباب الذي يدخل منه قارون في كلّ زمان، وإنْ اختلفت الصّور.

ومن آفات الشّكر القلبي أيضًا المقارنة المستمرّة الّتي تعمي الإنسان عمّا عنده، فكثير من النّاس لا ينقصهم الرّزق، ولكنْ تنقصهم عين شاكرة، لديهم من النّعم ما لو فقدوه يومًا واحدًا لاختلّت حياتهم، لكنّهم اعتادوا الموجود، واستبدّ بهم التطلّع إلى المفقود، ولهذا كان من التربية النبويّة أنْ ينظر المرء إلى من هو دونه في الدّنيا، لأنّ ذلك أجدر ألّا يزدري نعمة الله عليه، وهذه وصية تبني الشّكر في الدّاخل، وتطفئ نار السّخط من أصلها.

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.